استقالة القاضي السحيمي.. لماذا كل هذه الضجة؟

القاضي محمد السحيمي

السحيمي يستقيل ويحرج الزند

أثارت استقالة القاضي محمد السحيمي، التي يشكو فيها وزير العدل أحمد الزند إلى الله، ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، لاحتوائها على تركيبات فصيحة، وصور بلاغية، حولتها إلى قطعة من الأدب الرفيع، ندر أن نراها هذه الأيام، ووسط مجتمع القضاة تحديدًا، رغم أنه من المفترض أن يكونوا أرباب القلم والبيان!

وبلغ هيام رواد فيس يوك بالاستقالة، حد مطالبتهم بتدريسها ضمن مقررات البلاغة في المدارس والجامعات، بل وتمنّى بعضهم أن لو كان السحيمي هو مَن حاكم مبارك، كي ينال منه ببلاغته، وإن لم ينله بأحكامه!

وتأتي الاستقالة البليغة، بعد أسابيع من ذبح أعضاء مجلس النواب للغة العربية تحت القبة، عندما أخطأ أغلبهم في تلاوة القسم من “الورقة” وليس غيبًا، وتمادى بعضهم، فأخطأ في قراءة آيات مأخوذة من قصار سور القرآن الكريم!

فيما لا تزال صورة القاضي أحمد رفعت، قاضي محاكمة مبارك، ماثلة في الأذهان، بعد أن منح اللغة العربية يومًا من أسوأ أيامها على كوكب الأرض، وهو يغتال قواعدها قاعدة قاعدة!

والقائمة تتسع لتشمل عددا كبيرا من قامات  السلك القضائي، لم تشفع لهم مناصبهم في حماية ألسنتهم من الخطأ وتحريف اللغة والخروج بها عن مقاصدها!

وعلى قدر الفرح الذي أثارته بلاغة القاضي المستقيل، على قدر التساؤلات والشجون التي حرّكتها، فكيف هانت اللغة على أهل مصر، حتى أضحت استقالة تثير كل هذه الدهشة والعجب وتستحق الاحتفال؟!

وإلى أين يسير بنا قطار اللغة؟ وكيف لنا أن نسوّق العربية ّجها لدى العامة، إذا كان أهل القضاء، هذا حالهم، وهذا عطاؤهم؟

أسئلة، يبدو أنها ستنضم لأخواتها اللاتي سبقنها وورين التراب، دون إجابة وافية، أو كلمة شافية!

جاء في نص الاستقالة:

“سيادة القاضي الجليل، رئيس مجلس القضاء الأعلى، وضعتم على صدورنا وشاح شرف العدل، وقد أقسمنا إقامته بين الناس أساسًا للمُلْك، وتلك مسئوليّةٌ تحملتها وأنا مدفوعٌ بعزمٍ أستمده من انتماءٍ إليكم، وهو الذي يبعث على الفخر، وانتماءٍ آخرٍ أحمل له في نفسي تقديرًا عميقًا، إذ فارقْتُه ليَلْقَىٰ ربه، وهو والدي، الذي أفنى من عمره خمسينَ عامًا بينكم، كان فيها ربًّا لبيتٍ من بيوت القضاة، يقوم عليهم خادمًا وسيدًا”.

وأكمل: “لأن العدل أمانةُ السماء فإن أهل الأرض جميعهم مُؤْتمنون عليه أن يؤدوه فيما بينهم، لا تثريب على من لم يقدر، فَقِلّة الحيلةِ لا تنال من شرف الرجال، وإنما يهجر الأنبياءُ أرضَهم إذا اشتدت يد الشرك تنال عُصْبَتُه منهم، وإني ها هنا لا أشكو ضعف قوتي ولا هواني على وزير العدل، فإن قَدِرَ هو على ظُلْمي وما خشيَ أن تحيط به ظلمات يوم القيامة، فإنَّ لمثلي ربٌّ يردُّه، فإن أمهله في دنياهُ هذه، فإنه لن يهمله في يومِ موقفٍ عظيم”.

وأضاف: “كان الوزير في يومٍ صوتَ القضاة، رئيسًا لناديهم، وقد عارضتُه في مَلَأِه حينئذ أشد معارضة، فأسرَّها في نفسه، حتى إذا اعتلىٰ وزارتَه عاود الخصومة من ديوانها، فأضحى صوتُنا سوطًا علينا، فنبَّهني تنبيهًا يُوقفني عن ترقية، ثم أقصاني إلى الجنوب، حيث محكمة قنا ليترصَّدني بأعباء العمل، فوزَّعه بين رفاقي من القضاة بغير عدل، حتى أصبح المنظور لديَّ من دعاوى الجنح يفوق في اليوم ألفًا ورَبَتِ الدعاوى المدنية فجاوزتِ الثلاثمائة وخمسين، فهل أكذب بعد كل هذا أنهم يتعجلون خلاصًا مني، بل أصدِّقُ أن الوزيرَ منتقمٌ غيرُ ذي عفوٍ، وإني لَأُعاجل عُنُقي بذبحٍ قبل أن ينالها بطعنة موتور”.

 وتابع: “إن القاضي الجزئي بمحكمة قنا لا قِبَل له بوزير العدل، لا يملك سوى نفسه ويملك الوزيرُ نفوسَ رجال، غير أن مِثْلي إذا اسْتُكْرِهَ على الأمر ما وسعه البقاء عليه”.

واستطرد: “إذا كان الوزير لا يحفظ عهد أبي، وقد رافقه لسنواتٍ يعبران عن ضمير القضاء في أحلك ما مرَّتْ به بلادنا، فهانت عندَه عظامُه إذ بَلَتْ – وإني من تلك العظامِ دمًا من دمٍ – فإنكم حفَّاظون للعهود أوفياءَ لها، لا تُضَيِّعون أصلابَ رجالكم، فما لمتجبرٍ من سلطانٍ عندكم إذا أَغَثْتُم الملهوفَ فصارَ ذا بأس، فإن بلغكم كتابي هذا عند مجلسكم فرُدُّوهُ، وما تردُّون إلا نفسي إليَّ، أما إذا بلغكم وقد رضيتم فتلك استقالتي، أرفعها إليكم وما يرفع النفوس سوى عزٍّ بأهله، فاقبلوها وإني لكم من الشاكرين”.

واختتم الاستقالة بالآية الكريمة (فستذكرون ما أقول وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد)، موقّعا: القاضي محمد عبد المنعم السحيمي، رئيس محكمة قنا الابتدائية.

اقرأ أيضًا:

اكتب صح يطلق مصححا أوتوماتيكيا للغة العربية

أهم 5 كتب لمعرفة الأخطاء اللغوية الشائعة (متاحة للتحميل)

أفضل كتاب لتعليم الإملاء (متاح للتحميل)

51 كلمة قرآنية تُفهم خطأ

ألف الوصل وهمزة القطع.. (6) إنفلونزا أم أنفلونزا؟

كيف ننمي اللغة العربية لدى أطفالنا؟

ما الـ Thesaurus؟ وهل توجد في اللغة العربية؟

تأنيث أسماء الدول وتذكيرها

فيديو| كيف تصبح محرر ديسك 3

استقالة القاضي السحيمي.. لماذا كل هذه الضجة؟

بخطوات بسيطة.. كيف تحوّل العامية إلى فصحى؟

4 مهارات أساسية لإتقان اللغة العربية

صور| نشرة أخبار الأخطاء – الجمعة 27 نوفمبر

Comments

التعليقات

مقالات ذات صلة