هل كان العرب القدامى يخطئون فى النحو؟

الجر بالمجاورة

لو أننا تَتبّعنا أقوال العرب القدماء لوجدنا أنهم كانوا شديدي الالتزام بالفصاحة اللغوية، ولكن ربما خرج بعضهم عمَّا نعرفه اليوم من الفصاحة، وقال ما نراه الآن خطأً لغويًّا. كذلك ربما أخطأ بعضهم!

أخطأ؟

نعم، أخطأ، فالعرب لم يكونوا منزَّهين عن الخطأ اللغوي، وإن كان هذا يحدث بشكل عَرَضي، ربما لأن المتكلم كان من قبيلة لا تتصف بالفصاحة، أو لأنه كان غير واعٍ في أثناء حديثه، إلى آخر ما نتصوّره من أسباب. فإن قال قائل إن اللغة لم تكُن تحتاج إلى وعي أو تركيز من المتكلمين بها، فإنني أحيله إلى ما يحدث الآن من خطأ في اللغة العامية إذا كان المتكلم غير واعٍ، كالسكران أو النعسان أو المنفعل أو الغاضب، إلخ.

ممَّا نراه خروجًا عن الفصاحة، أن بعض العرب كان يجرّ بالمجاورة… فما الجر بالمجاورة؟

الجر بالمجاورة هو أن تتتالى كلمتان، أولاهما في موضع الجر، وثانيتهما في موضع غير الجر، ولكننا نجرّ الثانية لأنها تجاور الأولى، ومن ذلك قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم: “لتتبعُنّ سَنَن مَن كان قبلكم حَذْو القُذّة بالقُذّة حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ لدخلتموه”.

والشاهد هنا قوله صلى الله عليه وسلّم “جُحرَ ضبٍّ خرِبٍ”، والأصل أنها “جُحرَ ضبٍّ خرِبًا”، لأن “خرب” صفة لـ”جُحْر”، لا لـ”ضبّ”. ولكن لأنها تجاور الاسم المجرور “ضب” فقد أخذت منه الجر فأصبحت مجرورة.

نقول إن هذا غير فصيح لأكثر من سبب:

– أولًا لأن المجاورة قد تُحدِث خلطًا شديدًا إذا جائت الصفة للجحر وللضب في الحالة السابقة، كأن نقول “قرأتُ خطابَ الطالبِ الجديدِ”، فهل “الجديد” صفة لـ”الطالب” مجرورة، أم صفة لـ”خطاب” مجرورة بالمجاورة؟ هنا يحدث الخلط المقصود.
– ثانيًا لأنه لا معنى لاختصاص الجر بالمجاورة، فلماذا لم نجد رفعًا ونصبًا وجزمًا بالمجاورة كما وجدنا الجر بالمجاورة؟
– ثالثًا لأن الجر بالمجاورة ليس مطّردًا في كلام العرب، بل هو لهجة نادرة في كلام بعض الناس من بعض القبائل، لهذا لا يمكن اتخاذه قاعدةً.

فكيف إذًا ينطق الرسول الكريم بهذا القول غير الفصيح، وهو الذي أوتي جوامع الكلم؟
الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم لم تكُن فصاحته في مجرَّد اتّباع أفصح العرب، بل كانت في قدرته على محادثة كل أطياف العرب من كل القبائل بلهجاتهم وألسنتهم، مهما كانت غريبة، فكما استعمل هنا الجر بالمجاورة مع أهله، استعمل في موضع آخَر قلب لام التعريف ميمًا مع مَن تنتشر في ألسنتهم هذه الظاهرة، عندما قال صلى الله عليه وسلّم: “ليس من امبر امصيام في امسفر” (ليس من البر الصيام في السفر).
………….
ملحوظة:
أحد الإخوة لفت نظرَنا إلى أن حديث “جحر ضب” لم يرد به صفة “خرب”، والصيغتان موجودتان على مواقع الإنترنت، منها موقع مركز الفتوى، ولكن قد يكون الأخ مصيبًا، وقد يكون أكثر اطّلاعًا، ولكن عبارة “جحر ضب خرب” واردة عند العرب الأقدمين، وحديث “ليس من امبر امصيام في امسفر” مرويّ عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم. لذا وجب التنويه. ولكم وله الشكر.

Comments

التعليقات

مقالات ذات صلة