حَادِثَة… وأَخَوَاتُها

حادثة

ليس كل ما يحدث حادثةً، لكنه كله حادث… لماذا؟ أقول لك.

إذا تأمّلت التأنيث في اللغة العربية وجدتَه ليس مجرَّد تحويل من المذكَّر إلى المؤنَّث، بل هو وسيلة من وسائل المبالغة، وأحيانًا من وسائل الجمع، حتى إن المذكَّر قد يوصف بالمؤنَّث للمبالغة، فمَن ينبغ في شيء نابغٌ، فإذا اشتدّ نبوغه فهو «نابغة»، وكذلك «العلاَّمة» و«الفهَّامة» و«الرحَّالة»، إلخ.

و«الحادث» هو كل ما يحدث، أما «الحادثة» فهي ما يحدث من أمور عظيمة شديدة، وربما كارثيَّة، فلا نقول مثلاً «نحن ننتظر حادثةً سعيدةً»، بل نقول «نحن ننتظر حادثًا سعيدًا»، أما إذا كان ما يحدث شيئًا شديدًا فظيعًا مريعًا فإننا نخصصه بأن نقول إنه «حادثة» (اقرا الحادثة.. اقرا الحادثة!).

هذا الفرق بين الحادث والحادثة هو نفسه الفرق بين المصيب والمصيبة، وبين القارع والقارعة، وبين الطامِّ والطامَّة، وبين النازل والنازلة، وبين الواقع والواقعة.

هكذا تجد المؤنَّث في اللغة العربية، مبالغة شديدة، أحيانًا أشدّ من صيغ المبالغة المعتادة (فعَّال وفَعول ومِفعال وفَعِل وفَعِيل وغيرها)، فـ«العلاَّمة» أشد من «العلاَّم» و«الفهَّامة» أشدّ من «الفهَّام»، و«الرحَّالة» أشدّ من «الرحَّال»، و«الذوَّاقة» أشدّ من «الذوَّاق»… ستجد أن المذكَّر يكتسب بتأنيثه مبالغة شديدة لم يكُن يقدر عليها بـ«ذكورته» وحدها.

هل تأمّلت في كلمات مثل «الآخرة» و«الأولى» و«الدنيا» و«السماء» و«الأرض»؟ كل هذه الكلمات مؤنَّثة في اللغة العربية، وكلها تمثل «الحياة» من أولها إلى آخرها زمانًا ومكانًا. المدهش أن كلمة مثل «السماء» يجوز تذكيرها في اللغة العربية، ولكن الذائقة العربية والتوجُّه العام لها جعلنا لا نلتفت إلى حالة تذكيرها، رغم أنها واردة في القرآن في مثل قوله تعالى «السماء منفطر به».

وعلى النقيض من المذكَّر الذي يحتاج إلى التأنيث ليدلّ على قوَّته، تجد بعض المؤنَّث يأتي دون علامة تأنيث، حين يكون المعنى مختصًّا بالأنثى، فلا حاجة في هذه الحالة إلى علامة التأنيث (التاء المربوطة أو الألف الممدودة أو غيرهما)، فالمرأة التي تحمل جنينًا في رحمها «حامل» لا «حاملة»، أما إذا كانت تحمل شيئًا مثلاً في يديها فإنها تكون «حاملةً»، لأن الذَّكَر قد يحمل شيئًا في يديه مثلها. والكلام نفسه يَصدُق على «الناشز» و«العاقر» و«الحائض» و«اللَّعُوب» و«الطَّرُوب»، إلخ.

Comments

التعليقات

مقالات ذات صلة