«رحلة يوسف» بين الموت والحياة ومشارط الأطباء

رحلة يوسف - سامح فايز

أكثر تكليف من رؤوساء التحرير كان يصيبني بالتوتر، مهمة الكتابة عن إصدار جديد من اختيارهم، لأن في هذه الحالة معروف أن المطلوب المجاملة، سواء للكاتب أو دار النشر.

 والتوتر غير عائد إلى أني ضد المجاملة، ولكن القراءة أذواق، وقراءة كتاب ليس على ذوقك حتى لو رواية للكاتب الكبير نجيب محفوظ، أشبه بأنك تتعرض للتكدير في الجيش أو تتناول صنف طعام في بيت حماتك ومضطر تقول: “إيه الطعامة ديه”!

لهذا السبب عندما أقرّر الكتابة بنفسي عن إصدار جديد، هذا يعني أن هذا الكتاب نجح في غوايتي واستدرجني إلى شباكه، حتى إنني لم أستطع أن أفلت منه إلا مع الصفحة الأخيرة.

وهذا الإحساس عشته مع “رحلة يوسف” للكاتب الصحفي سامح فايز والصادر عن دار الكرمة للنشر2016.

أكثر عوامل حماسي لهذه النوعية المختلفة من الكتابة، أن المؤلف كسب الرهان مني، وربما لأوّل مرة يعرف أن له في ذمتي رهانا لم أخبره به، بعد أن أعلن على صفحته عبر الفيس بوك، أنه في طريقه إلى إصدار كتاب عن رحلة مرض ابنه يوسف التي انتهت برحيله المبكر.

أشفقت عليه من هذه المهمة، التي لم أتخيّلها يمكن أن تصدر في كتاب، ولكن ربما في قصة قصيرة مكثفة ترصد وجع الفقد، أو قصيدة شعر، يبوح ويفضفض فيها بأحزانه! ولكن فعلها سامح فايز بأسلوب يجمع بين الواقعية والرومانسية أخذني معه عبر 180 صفحة، مصاحبًا له في “رحلة يوسف” أتخيل مشاهد الحضانات، ومشارط الأطباء، والوجوه العابسة للممرّضات، زحام حجرات الاستقبال، وأكوام اللحم التي تترقب الدخول إلى حجرات الكشف، لمتابعة الحالة الصحية لفلذات الأكباد.

نجحت الكتابة في جعلي أسمع دعوات الأمهات على أبواب حجرات العمليات، وتوسّل الآباء أمام فرد أمن ليسمح لهم بالزيارة الاستثنائية، أكتئب معهم، ويحدوني الأمل في لحظات!

وكثيرًا ما كنت أحمد الله في سري أنني لم أنجب أطفالًا في هذا البلد الذي لا يوفّر العلاج للأطفال، لدرجة أنك تبحث عن الدواء في 7 دول عبر أصدقائك على الفيس بوك!

كيف كنت سأتحمل عبارة طبيب “الحكاية مسألة وقت” أو صرخة أب لفقد ابنته “أنا مش شحّات، عاملوني كبني آدم”، صارحني يا سامح من أين أتيت بهذه العبارة “أنا من فتحت له باب الدنيا من دون أن أتأكد من قدرتي على غلق باب الموت أمامه”، هل اقتبستها من إحدى روايات كبار الكتّاب؟ لكن لماذا تقتبس وأنت في لحظة فارقة، بين الحياة والموت، بكل قسوة موت يوسف، وميلادك أنت من جديد، عبر هذا الكتاب، الذي تجاوز محنة رحيل يوسف.. ومنحك شجاعة أن تتجول في بر مصر لترصد لنا أوجاع الناس في المستشفيات والعيادات والمراكز الصحية، تواجهنا بالكارثة التي نعيش فيها، لكننا لا نبالي، ولا نلتفت إلا إذا ضربنا المرض في عزيز لدينا، نصرخ ونكتب ونشتكي!

 اسمح لي أن أستعير عبارة الكاتب إبراهيم أصلان في “مالك الحزين” الذي لخّصت أوجاع يوسف وأوجاع كل المستضعفين في بر مصر “موت الفقراء اغتيال”.

اقرأ أيضًا:

الأستاذ هاني وردة

وصرخت ميس صافيناز

رسائل الغياب

لماذا لم تعودي يا ميس شيرين؟ 

المدينة البعيدة

كساحر خفيف اليد

Comments

التعليقات

مقالات ذات صلة