كيف ننمي اللغة العربية لدى أطفالنا؟

learningInfinity-2

صديق للصفحة أرسل يسأل: كيف يمكننا تنمية اللغة العربية لدى أطفالنا؟

ودعني هنا أسرد لك بعضًا من ذكرياتي فيما يتعلق بهذا الموضوع، فوالدي رحمة الله عليه، كان صاحب الفضل الأكبر فيما وصلتُ إليه الآن، مِن حبِّ اللغة العربية والتعلّق بأذيالها، حيث تفتحت عيناي في بيتنا على عشرات الكتب التي تحيط بي من كل جانب، فتعوّدت منظرها، وملمسها، ووجودها حولي، ولم يكن أبي يزجرني أو يُغلظ عليّ عندما يراني ألعب بالكتب، بل كان يشجّعني، ويفتحها لي، ويجعلني أتمتّع بتقليب وريقاتها.

ثم بدأت المرحلة الثانية، عندما أصبح يُحضر لي مجلات الأطفال، ومع أني لم أكن قد تعلّمت القراءة، فقد استمتعت بمشاهدة الصور، وتلوين بعضها، وربما الشخبطة عليها كذلك، حتّى أصبحت أترقب بشغف أي كتاب جديد.

ماذا حدث هنا؟ لقد حدث لي ارتباط شرطي بين البهجة والكُتب، دون حتى أن أدرك ماهيتها ولا فائدتها.

وفي المرحلة التالية، عندما بدأتُ أتعلّم الكتابة، وهي فترة عسيرة على أي طفل، كان يحرص –هو ووالدتي- على مشاركتي ما أفعل، بمعنى أنهما كان يحضران كراريس وأقلاما ويكتبان مثلما أكتب، على سبيل المشاركة الوجدانية، والتهوين عليّ، فترسّخ لدي الاعتقاد الثاني أن الكتابة نشاط اجتماعي أسري محبب.

المرحلة الرابعة كانت في المدرسة، حيث كان والدي يحرص على قراءة بعض القصص لي، ويطالبني بتلخيصها شفويًا بأسلوبي الطفولي، ثم لما كبرتُ قليلا، أصبح يطالبني بتلخيصها كتابة، بل ووضع نهايات مختلفة لها، وكان يكافئني بشراء أي شيء أحبّه، بالإضافة لكتاب جديد.

ثم أخذ بيدي لبائع الجرائد، الذي أصبح صديقي فيما بعد، وعرّفني إلى سلاسل الأطفال، وفي موعد صدور أي عدد جديد، يرسلني لأحصل عليه، حتى أصبحتُ أعدّ الأيام والليالي للحصول على الكتاب أو المجلة الجديدة .

تطوّر الأمر أكثر بدخول القرآن الكريم إلى حياتي، حيث كان أبي الهُمام يحرص على تلاوته وأنا جواره، وهو يشير بيده لكل كلمة يتلوها، ثم يجعلني أحاول ترديدها معه، ولم يكن يضيق بي عندما أسأله عن أي معنى، حتى لو لم أكن أريد معرفة المعنى حقيقة، وإنما مجرد التظاهر بأنني كبير وأفهم كل شيء!

شجّعني أبي كذلك على الكتابة، وكان يحتفي بأي سطر أكتبه، وكأنني سيبويه، بل كان –وهو مدرس اللغة العربية- يقرأ بعضًا منه على أساتذته وتلامذته، وينقل لي ردود أفعالهم، كان يبالغ بالطبع، لكن في إطار مدروس من إشعاري بأهمية ما أفعل.

أبي ألح عليّ أيضا للاشتراك في إذاعة المدرسة، ومع أنني لم أكن شجاعا وقتها –ولا الآن :)- فقد تجاسرت على هذا، حبًا في أبي ورغبة في إبهاره، وكان يكتب لي بنفسه كلمة الصباح، فكنت أحصد إعجابًا كبيرًا، لأسلوبه بالطبع وليس إلقائي.

اشتركتُ أيضًا منذ المرحلة الإعدادية –بتشجيع منه- في مسابقات إلقاء الشعر، وكان أبي يدرّبني بنفسه على إلقاء القصائد، وكانت له طريقته المميزة: حيث يختار قصيدتين، إحداهما صعبة مليئة بالألفاظ والمعاني المعقّدة، يدربني عليها أولا، حتى أحفظها وأفهمها وأؤديها، ثم يُظهر لي القصيدة الثانية، الأكثر سهولة، والتي سأشترك بها فعليا في المسابقة، فيجعلني أتهلّل وأبتهج لأنني لن أبذل نفس المجهود، وتكللت مجهوداتنا معًا بحصولي على المركز الأول على مستوى الجمهورية في إلقاء الشعر في الصف الثاني الثانوي.

واستمر دعمه لي بعد ذلك، في كل ما يخصّ النشاطات الثقافية، بل إنه كان يُخصّص ميزانية من راتبه، يشتري لي بها الكتب التي أحب، على الرغم من أنه كان مدرسًا بسيطًا، ولم يكن يُعطي دروسا خصوصية، قائلا في كل مرة أسأله عن السبب: “إذا أتاني الطالبُ في الدرس، فإن هذا يعني أنني قصّرت في حقه في الفصل، وهو ذنب أرجو ألا ألقى الله سبحانه وتعالى وهو في صحيفتي”.

لقد وضعني أبي على أول الطريق، وأشار لي أن أُكمل، فأكملت، حبًا واحترامًا ووفاءً له من ناحية، ومن ناحية لأنني وجدتُ نفسي في هذا البستان الوارف من الأدباء والفنانين والكتاب، سَحَرة الكلمة، وروّاد المعرفة.

والآن أتذكّر: لم أجد مشقّة في اللغة، لأنني وجدتُ من يقودني في طريقها، ويُنير لي طريقها، ويهتف بي كلما توقّفت أن أكمِل، ما زال الطريق مليئا بالمتعة.

فاللهم ارحمه، واجزِه عني خيرَ الجزاء، واكتب له بكل كلمة أتعلّمها أو أُعلّمها حسنة، وعتقًا من النار، وقربًا من الجنة. آمين.

الخلاصة

  1. اجعل الكتب أمام أطفالك باستمرار.
  2. شجعهم على التعامل معها ولمسها واكتشافها (حتى لو كانت هناك بعض الخسائر :))
  3. كن قدوة لهم في احترام الكتاب وتقديره.
  4. اقرأ معهم القرآن الكريم باستمرار واجعلهم يستمعون له.
  5. اربط بين الكتاب والأشياء المبهجة.
  6. لا تُثقل عليهم بالكتب، اترك لهم مساحة للعب والجري، اجعل الكتاب مكافأة وليس عقابا.
  7. شجّعهم على الكتابة والمشاركة في الإذاعة والمسابقات المدرسية.
  8. الأُسرة هي باب التعليم الأول، وليس المدرسة، وقتك واهتمامك أكثر قيمة لأبنائك من الفلوس التي تسعى لتحصيلها ليل نهار.
  9. اكتساب اللغة عملية طويلة الأجل وتحتاج وقتًا وجهدًا ومثابرة.

Comments

التعليقات

مقالات ذات صلة