عشقي وملاذي

نهال الخضر

تعودت فى الصغر أن أرى أُمى تحمل دفترا صغيرا فى حقيبتها، أو على أحد الأرفف الرُخامية للمطبخ، وفى أحد أدراج مكتبها الخاص بالعمل أو تحت وسادتها؛ حتى لا يقرأ سطورها أحد.

كانت كُلما حملت عتابا لا يصلح للبوح أو شوقا أو حيرة أو سؤالا ليس له إجابه سطرت فى دفترها هذا ما بين ثنايا رُوحها وخففت من أعبائها.

تعلمتُ من أُمى أن الورق يملك بياضا لا وجود له فى قلوب المُحيطين، وحده الورق يسمح لنا بالبوح ويعطى لنا براح السماء والأرض، دون أن يشكو قطعهُ أو حرقهُ أو طيهُ.

كانت تدُون كل ما ترى وتشعُر وتتمنى، وأولويات كل عام، وكنت أقرأ بعد أن تُغلق دفترها ماذا دونت أُمى اليوم.

تارة مواعيد برامج رمضان، وأجوبة الفوازير، وتارة أخرى الأقساط، مواعيد حلقات برنامجها المسمُوع المُفضل المُذاع على محطة القرآن الكريم، ودعاء لله، وقصيدة سمعتها من أحد الشُعراء المُفضلين لها، كانت قد كتبتها لأبى فى فترة الخطبة، ومقادير كيكة محشوة بطعم الحُب والدفء، كتبت طريقتها بعد أن عرفتها من أحد برامج الطهى؛ كى لا تنساها وتصنعها لنا فيما بعد فى أمسية شتوية فنأكلها أنا وأخى فى أثناء المُذاكرة.

أمى تجيد اللغة الإنجليزية بطلاقة وكان أبى كذلك إضافة للفرنسية، ولكن بقيت العربية هى الأقرب للقلب والعقل، كانت بالنسبة لهما عشقا وهوية وعقيدة وإلزاما عليهم وفرض كفاية بأن اللُغة العربية هى سيدة اللغات، وأصل اللهجات، وفخر لمن تحدث بها وكتب، وعار على من تخلى وتبرأ منها.

فشربت حُب اللغة من والدىّ كشرب الوليد من نهد أُمه، فأصبحت عشقى وملاذى.

فى اليوم العالمى للغة العربية لو كُنت أملك أن أرسم كُل حرف من الحروف الأبجدية على جُدران الطرقات؛ تكريما لها، لفعلت، ولكنى وجدت الحفاظ على الهوية أيسر وأوقع، فحافظوا على عقيدتكم وهويتكم؛ فمن لا عقيدة له ولا هوية، سهل على الأقدام أن تخطو على رقبته.

نهال الخضر

اقرأ أيضًا:

الأستاذ هاني وردة

وصرخت ميس صافيناز

رسائل الغياب

لماذا لم تعودي يا ميس شيرين؟ 

المدينة البعيدة

كساحر خفيف اليد

Comments

التعليقات

مقالات ذات صلة