المنطقة الحرة

أبويا جاي النهارده

ميسرة صلاح الدين- اكتب صح

فى ليلة ساخنة من ليالى أغسطس، أخبرنى صديقى الشاعر الشاب على عجالة “أبويا جاي النهارده”

كانت ظروف عملى تقتضى أن أقضى عدة ليال أسبوعيا فى القاهرة، واستضافنى هذا الصديق فى مسكنه الواقع بمنطقة فيصل.

فأخبرته أننى كنت أخطط للعودة للإسكندرية اليوم لارتباطى ببعض المواعيد الهامة،  من قبيل الذوق أو الخجل، ولكنه كان يعلم أننى لم أكن صادقا تماما فى الإفصاح عن الدوافع الحقيقية لسفرى، فألح على أن أمضى الليلة بصحبه والده “ح تتبسط قوى لما تتعرف عليه”، وأخبرنى أن بعض أصدقائنا من الشعراء الشباب حريصون على لقاء الوالد فى تلك الليلة.

انصرفت شاكرا وظللت أفكر فى والده الذى يستعد الشعراء للقائه.

واسترجعت معلوماتى عن صديقى الذى توفى والده منذ سنوات، ويعيش بمفرده، وهى معلومة لا يمكن بأى حال من الأحوال أن أنساها، فأنا شريكه فى نفس الجرح.

وبعد تررد اتصلت به:

  • “آلو.. أيوه يا حمدي.. هو انت مش قلت لي ان أبوك مات؟”
  • “يا عم دا الشهاوي.. شيخ الشعراء.. أنا بحبه قوي وباعتبره أبويا”.

تذكرت على الفور رحلاتي المتعددة للبحث عن أب بديل، بعد وفاة والدى في مرحلة مبكرة من حياتي، وكيف باءت بالفشل وبخيبات الأمل المتكررة، ولم أحصل قط على ما أريد، حتى توقفت عن البحث.

وحضرت اللقاء فى المساء.. لم يحضر أحد من الشعراء الشبان، لأسباب مختلفة، وكان الشهاوي مرهقا جدا من السفر، ودار بيننا حوار قصير، ولكنه ممتع وعميق، بحجم موهبته المتصوفة وعشقه المحموم للشعر والحياة، ثم تابعت بشغف علاقة صديقي بالشهاوي شيخ الشعراء، لقد اتخذه فعلا أبا، ولكنه لم يكن الأب الذى يمهد لابنه الطريق أو يفرشه بالورد ويزيح العقبات ويفتح الأبواب المغلقة.

كان الأب الذى يحتاج لساعد ابنه القوي وقلبه الحنون وإخلاصه وتفانيه.

كان ابنا بارا وكان أبا مدللا، وأدركت أن البحث عن الوالد قد يكون له أهداف عدة، تبدأ بالرغبة في الدعم والتوجيه، وتنتهي بالرغبة في العطاء والبذل، وكانت تلبية احتياجات الآخرين، هي مفتاح الوصول للكمال المطلق في العلاقة.

وكنت سعيدا برصد هذه العلاقة الفريدة، التي قد أجرؤ أن أدعي أن الوسط الثقافي لا يحتوى علاقة مثلها، في ظل حالة الإنكار والاتهام والتهميش المتبادل بين الأجيال.

“كل سنة وأنت طيب يا شيخ الشعراء.. وكل سنة وأنت طيب يا حمدي.. وأصيل ومخلص للي بتحبهم”.

أو كما قال الشاعر

“لا تزعم أنك جرم محدود .. لا تزعم والعالم مطوي فيك وكل الأسرار..

لا تزعم أنك أبدا مرغم.. وأنا سويتك ذا عقل يختار”.

ميسرة صلاح الدين

الوسوم
أظهر المزيد

حسام مصطفى إبراهيم

مؤسِّس مبادرة (اكتب صح) ورئيس تحرير الموقع

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق