المنطقة الحرة

أستاذي الفلسطيني

ياسر ثابت

في المرة الأولى التي دخل فيها فصلنا الدراسي، وقف في تلك النقطة الوهمية أمام منتصف السبورة، وجال بنظره في أنحاء الفصل، ونحن نغمغم بكلمات كلها فضول بشأن هذا المدرس الجديد لمادة اللغة العربية. بعد نحو دقيقتين، انطلق في حديثه معنا بلغةٍ عربية سليمة، معرفـًا بنفسه “اسمي فوزي.. من رام الله، فلسطين”.

عبر سنواتٍ دراسية أربع، وجدتُ في هذا الأستاذ الهادئ، ذي الصوت الرخيم، منارة ثقافية ومعرفية زادت من محبتي للغتنا الجميلة والإبداع الأدبي بهذه اللغة .

وحده كان قادرًا على كسر الحواجز بيننا وبين تلك اللغة وقواعدها، ومد جسور مع الأعمال الأدبية والشعرية المختلفة. طلب منا جميعـًا التبرع بمبلغ زهيد من مصروفنا اليومي لشراء مجموعة من الكتب المختارة، وتبرع هو من ماله الخاص بمبلغ إضافي، وأقام لنا مكتبتنا الخاصة، بحيث نتبادل فيها استعارة الكتب وفق نظام معين، والوقوف أمام باقي الزملاء لتقديم عرضٍ ملخص عن الكتاب وانطباعاتنا عقب قراءته. هكذا قرأت أعمال نجيب محفوظ، يوسف إدريس، غسان كنفاني، الطاهر وطار، فدوى طوقان، محمود حسن إسماعيل، بدوي الجبل، وغيرهم.

كان عالمـًا من الانبهار، يفتح أبوابه أمامنا، وكانت تلك اللآلئ تستحق الاقتناء.

لم يكتفِ الأستاذ فوزي بذلك، بل كان يقيم مسابقات ثقافية تدور حول اللغة وقواعدها، والمؤلفات العربية على اختلافها، ويهدي الفائزين جوائز قيمة: المزيد من الكتب النادرة التي شكّلت أفكارنا وزادت من شغفنا باللغة العربية.

صبور، يشرح لنا في أناةٍ إعراب “شكرًا لك”، ولماذا نقول “نحن الدراسين” وليس “نحن الدراسون”.. وقس على ذلك الكثير.

بذكاء، التقط اهتمامي الشديد بالقراءة، وشجعني على الكتابة والإبداع، وكان يثني على موضوعاتي في التعبير والإنشاء، وينبهني إلى جماليات في اللغة، وأهمية تذوق الكلمات قبل الكتابة.

بدا أول من يثق في أنني سأؤلف كتبـًا في المستقبل، وكان يقول لي بابتسامة وادعة “اذكرني عند قومك”.. وكأنه يقصد بذلك: “لا تنس أن تهدي أحد كتبك لي”.

حتمـًا سأفعل.. وعد الحُر دينٌ عليه.

الدكتور ياسر ثابت

اقرأ ايضًا:

الأستاذ هاني وردة

وصرخت ميس صافيناز

رسائل الغياب

لماذا لم تعودي يا ميس شيرين؟ 

المدينة البعيدة

كساحر خفيف اليد

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى