المنطقة الحرة

أمل دنقل.. الَملَك الذي قال لربِّه: لا

محمود عبد الرازق

هل أكون مبالغًا إذا قلت إن أمل دنقل هو الإنسان الوحيد الذي تَعلّم من دروس التاريخ؟

ربما…

ولكنني على كثرة ما اطّلَعتُ عليه الشعر والنثر، ومن كتب التاريخ، لم أجد مَن وعى درس التاريخ هذا الوعي الحادّ الواضح المضيء المضاء.

لا أقصد بالتاريخ هنا مجرد الأحداث المروية والمنقولة والمكتوبة والمؤرَّخة، فربما وعاه كثيرون، وربما تَعلَّم منه كثيرون… بل أعني تاريخ الإنسان، منذ خُلق آدم حتى مات أمل دنقل.

أمل دنقل لم يكن يستلهم من درس التاريخ، لم يكُن يستحضر الأحداث، لم يكن يوازي بين الأحداث الجارية والأحداث الماضية… كل هذا فُعل ويُفعَل… لكن أمل دنقل لم يكُن يستحضر الأحداث، بل كان هو ينتقل إلى ذلك الزمن السحيق، فيكون جزءًا منه، يعيش تفاصيله، يرى ما لا يراه المؤرّخون، يُبَصَّر بالأجزاء التي لا تحكيها الحروف ولا تصفها الكلمات ولا ترسمها الصور…

أمل دنقل لم يتكلم عن الشيطان، معبود الرياح، مَن قال “لا” في وجه من قالوا “نعم”، بل حضر مع الشيطان في تلك المواجهة الصاخبة، وتَقمَّصه، فأصبح هو الشيطان، يحكي بإحساسه ولو استعمل ضمير الغائب… ليصل إلى النتيجة الحتمية وراء كل معترض على “العامّ”: “فظلّ روحًا أبديَّة الألم”، ليتحوَّل مع إضاءته لنا إلى مَلَك من نور يضيء الطريق لمن شاء طَرْقه.

أمل دنقل كانت روحه الشعرية آلة سفر عبر الزمن، جعلت التاريخ طيِّعًا في يديه، يستطيع توظيفه حيثما شاء، ليعبِّر عن كل شيء بكل شيء.

كان مطَّلعًا على كل المشاعر الموجهة، فكان يخطف الإحساس من داخل البشر ليصوغه بكل بساطة، فيدهش بذلك كل من يقرؤه، يدهش من التقاطه هذه الحالة أو تلك، ويدهش من وصفها على هذا النحو المعجز في بساطته…

لم يكن يلجأ إلى المحسِّنات البلاغية، كانت للغته بلاغتها الخاصة النابعة من الوضوح الشديد، والضرب على الجرح بسِنّ السيف لا بجانبه، والطعن مباشرةً دون لف ولا دوران، لهذا فلن تجد في شعر أمل دنقل غير الحقائق المجرَّدة، عاريةً تمامًا من الزينة البلاغية التي يسعى لها غيره من الشعراء.

أي بلاغة تلك التي تأتي بهذا المعنى أوضح وأقرب وأشدّ وأحَدّ من عبارة أمل دنقل:

“كيف تنظر في عينَي امرأةٍ

أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتَها؟”

أي بلاغة تنقل الوجع المنتقل انتقالًا مباشرًا سريعًا عنيفًا في تعبيره العظيم الخالد:

“عاش منتصبًا

بينما ينحني القلب يبحث عمَّا فقد”؟

أمل دنقل لم يكن مجرد شاعر، بل كان روحًا “أبدية الألَم”، لأنه هو ذلك الذي “عاش منتصبًا” دومًا، رافضًا الخضوع والخنوع، “بينما ينحني القلب يبحث عمَّا فقد”، فكان مكروهًا في حياته من معظم الوسط الثقافي، بسبب صراحته الشديدة ولسانه السليط، الذي لم يكُن له إلا أن يستعمله في مواجهة ما حوله من فساد ونفاق، فكان الوحيد الذي “قال لا، في وجه من قالوا نعم”.

الشاعر واللغوي محمود عبد الرازق

اقرأ أيضًا:

اكتب صح يطلق مصححا أوتوماتيكيا للغة العربية

أهم 5 كتب لمعرفة الأخطاء اللغوية الشائعة (متاحة للتحميل)

أفضل كتاب لتعليم الإملاء (متاح للتحميل)

51 كلمة قرآنية تُفهم خطأ

ألف الوصل وهمزة القطع.. (6) إنفلونزا أم أنفلونزا؟

كيف ننمي اللغة العربية لدى أطفالنا؟

ما الـ Thesaurus؟ وهل توجد في اللغة العربية؟

تأنيث أسماء الدول وتذكيرها

فيديو| كيف تصبح محرر ديسك 3

استقالة القاضي السحيمي.. لماذا كل هذه الضجة؟

بخطوات بسيطة.. كيف تحوّل العامية إلى فصحى؟

4 مهارات أساسية لإتقان اللغة العربية

صور| نشرة أخبار الأخطاء – الجمعة 27 نوفمبر

الوسوم
أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق