المنطقة الحرة

اكتب ما يحلو لك

إيناس حليم

حرية الاختيار مُلهمة ومُربكة، مثلها مثل الحياة!

كي نعيش أسوياء وصادقين يجب أن تكون قراراتنا من أنفسنا، ولكي تكون سليمة علينا أن نفكر، وكي تكون أفكارنا خارج حيز القوالب التي نتعثر بها من وقت لآخر يجب أن يمنحها شخص ما تلك الحرية.

هكذا فعلتْ أبلة “وفاء”..

كنا في المرحلة الإعدادية، عندما دخلت الفصل في إحدى حصص اللغة العربية، كانت جميلة ونشيطة ولها بحة حنونة حتى وهي تخاطبنا في حزم كي نساوي كراسينا في أعمدة وصفوف، حيَتنا وابتسمت ابتسامة المدرس الخبيثة حين يقرر أن يأتي بجديد، ثم استدارت وكتبت أعلى السبورة “اكتب ما يحلو لك”…

أضاءت الجملة اللوحة السوداء لتفتح من بعدها كل الأبواب البيضاء والملونة. أبوابٌ تُفضي إلى ممرات تُفضي بدورها إلى مُتسعٍ يطل على بحر، يستوعب حاجة النفس إلى الارتكان والجمال.

لا أتذكر يومها ماذا كتبتُ، لكني أتذكر جيدًا أنني استغرقت وقتًا طويلاً في التفكير والكتابة عن الموضوع الذي اخترته، وأنني حين انتهيت كنتُ راضية عنه تمامًا.

قبلها بسنوات أتذكر حصة اللغة العربية التي تعلمتُ فيها أن أربط الألف بالباء لأكوّن كلمة. عدتُ إلى المنزل لأحكي لأبي عن الحروف الكثيرة وشكلها الجميل.. نصحني بأن أحاول قراءة كل ما يقع في يدي.. الصحيفة، عناوين الكتب، اللافتات في الشوارع…

كانت النصيحة صعبة بالنسبة إلى فتاة في مثل عمري، لكني ولسبب ما أخذتها على محمل الجد، بعدها أصبحتُ أحاول قراءة كل الكلمات التي تمر من أمامي. وفي مرحلة أخرى صار أبي يعلمني كيف أكتب الحروف العربية بخط منمق.

المفردات.. تلك العصافير التي كانت تطل إليّ بمنقارها من النافذة، كأنها ترعى بيضها الصغير وترقد فوقه من أجلي، كأنها تُلقمني مثلما تلقم أطفالها الحَب في مناقيرهم مباشرة.. من خلف الزجاج أمد يدي إلى إفريز النافذة وأخطف العصافير لأضعها في قفص كبير صنعته داخل روحي.

أصبحتُ ألتقط الكلمات من القصص، آيات القرآن، قصائد الشعر المدرسية..

المفردات الجديدة كانت تعرف طريقها إلي، الكلمات البسيطة في قصص “الواحة الخضراء” أثناء حصص المكتبة، ثم روايات الجيب لـ “نبيل فاروق”، كلمة “يستطرد”.. عصفورٌ لئيم استخدمته كثيرًا بعدها في مواضيع الإنشاء..

الجمل اللحنية في روايات “يوسف السباعي” و”إحسان عبد القدوس”..

أول ديوان شعر قرأته لـ “كامل الشناوي”، وقصائد “درويش” مرحلة أخرى…

كل الكتب التي قرر كتابها أن يعتنوا بجملتهم ويرعوها كأنها فرخ صغير، كل المفردات الجديدة وكل الموسيقى التي تسللت إلى روحي بفضلهم فأسعدتها…

الأبواب تكون مواربة أحيانًا، وأحيانًا يقع المفتاح بأيدينا صدفة.

اليوم تحلق كل العصافير التي جمعتها طوال تلك السنوات، تحلق بألوانها داخلي ولكن بلا قفص.

اقرأ ايضًا:

الأستاذ هاني وردة

وصرخت ميس صافيناز

رسائل الغياب

لماذا لم تعودي يا ميس شيرين؟ 

المدينة البعيدة

كساحر خفيف اليد

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى