المنطقة الحرة

الأجانب يقعون في أسر اللغة العربية أيضا

explore-arabia-amalia

في مكان ما من هذا العالم، يعكف أحدهم على كتاب لتعليم اللغة العربية، يحاول فهم طلاسه وفك شفراته، بالنذر اليسير الذي تعلمه.

يتذكر كيف ترك عالمه الأول بأناقته البراقة وأضوائه الخلابة، ومعيشته الرغدة، ليشد رحاله إلى إحدى الدول الناطقة بالعربية. أو يتذكر تركه بلادا  فقيرة من العالم الثالث، لتحمل ظروفا ليست أقل صعوبة.

ربما يقف أمام المرآة ويحاول جاهدا نطق مخارج الحروف واللكنة كما يفعل أهلها. ربما أيضا يغبطهم لسهولتها على ألسنهم. يتلعثم كثيرا، يخطئ أكثر، لكنه لا يفقد الإصرار على تعلم لغة تستعصي على أبنائها، فضلا عن غير متحدثيها!

في مصر، وغيرها من الدول الناطقة بالعربية، معاهد لتعليم اللغة العربية لغير متحدثيها، الدراسة بالفصحى بدءا من المستويات الأولى، حيث يتعلم الأجانب حروف الهجاء وكيفية النطق. الشرح كله بلغة عربية صرفة، بل يمنع الكلام بين المدرسين أو الدارسين بالعامية أو أي لغة أخرى في أروقة المعهد أو الكافيتريا. المدرس المصري يطلب مشروبه المفضل في استراحته باللغة العربية، ويحيّي زميله قائلا: كيف حالك؟ وليس “ازيّك”!

الأمر شاق على هؤلاء الدارسين، لكنه ليس تشدقا بالعربية لغير داعٍ، فالوسيلة المثلى لتعلم أي لغة، الانغماس فيها كليا. أن تعيش الحالة كما لو أنك في بلاد ناطقة بها.

تتبع معاهد عالمية للغات في مصر الطريقة نفسها، تمنع التحدث بغير لغتها في الفصول، ويكون ضمن درجات تحصيلك تقييم مستواك في التحدث بها داخل الفصل، وكم مرة سهوت وتفوهت بكلمة عربية.

يقص أحد مديريها، حكايته، قدم من بلده خصيصا إلى مصر لتعلم اللغة العربية منذ نحو عشرين عاما، كيف تألم ويتألم كثيرا لأن أصحاب اللغة لا يقدّرونها، كيف كان يذهب إلى الدرس ليجد معلم اللغة العربية نائما مكانه!

والساعي حكاية أخرى، شاب بسيط وبشوش جدا، تراه يعكف على مرجع لغوي ضخم يقرأ فيه بمتعن، ويقول إنه يعمل ويدرس في نفس المكان، وسيظل يدرس حتى يصير معلما للغة العربية.

نماذج متنوعة، طفل لم يتجاوز العاشرة، ابن عائلة فرنسية تعلّمه اللغة منذ نعومة أظافره، لم يكن ذلك هو المدهش، الأكثر دهشة تجاوب الطفل مع معلميه وشغفه بالتعلم، وسؤاله عن أي شيء لا يعرفه! وسيدة أمريكية تعود إلى بلدها لتنشر ما تعلمته من اللغة العربية هناك. وأخرى تفضل تأسيس مركز آخر هنا.

نترك تلك المعاهد، ونذهب إليهم في بلادهم، لنرى كيف يتعاملون مع اللغة. منذ فترة انتشر مقطع فيديو يصور كيف ابتكرت الحكومة في بنجلاديش وسيلة لمحاربة التبول في الطرقات الذي شاع بصورة مقززة، رغم العبارات المحذّرة من ذلك الفعل والتي تنتشر على كثير من الجدران. لكن هذه المرة قررت الحكومة أن تكتبها باللغة العربية. تخيل ما حدث؛ يهم أحدهم بفعلته حتى يأتي شخص ليقول إنه لا ينبغي له فعل ذلك هنا، وإن العبارات كتبت بالعربية، فما يكون منه إلا أن يرتدع تماما، ويحذر باقي زملائه الذين يكفّون من فورهم. ليس هذا فحسب، بل يلمسون الكلمات المكتوبة ويتبركون بها، فهي لغة مقدّسة عندهم. ومن هنا قلّت هذه الظاهرة بصورة ملحوظة.. هكذا ببساطة!

أميرة عبد الرازق

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى