المنطقة الحرة

الائتناس باللغة

10297568_10203225357088603_6931855330182030535_n

ما حدث أنني استفقت ذات يوم ووجدتني لا أكاد أجيد سوى اللغة العربية وعلومها، ولا أدرك وأتفاعل سوى مع فنونها وآدابها، وكل ما يتصل بها، الأمر لم يكن اختياريا بالفعل، حاولت أن أتغيّر إلى وجهات عدة، الرياضة والموسيقى والسينما، لم أفلح، كتبت الرغبة الأولى في تنسيق الجامعة “كلية التجارة”، ففوجئت بساعي البريد يصيح بي ذات يوم “مبروك إنت اتقبلت في كلية اللغة العربية”.

حاولت أن أسترجع الأمر، متى بدأ؟

حين قرر والدي أن أدرس في الأزهر، فبعد 6 سنوات أتممت حفظ القرآن الكريم كاملا، إنها حصيلة لغوية ضخمة ومخيفة بالنسبة لطفل في الثانية عشرة من عمره، بالطبع لم ينتبه لها لكن بالتوازي كانت قراء القصص والمجلات ومكتبة والده معلّم التاريخ رافدا آخر، حتى انفجر هذا المزيج في هيئة كتابة الشعر، وظن الفتى في عامه الأول في الجامعة أنه على خطى المتنبي بعد حصد عدد من الجوائز.

نقطة التحول الحقيقية في علاقتي لم تأت من دراسة الأدب، بل البلاغة، عندها أدركت أنني أكتب الشعر ولست بشاعر، وأدركت أن التذوق طريقي وطريقتي، فتوقفت عن كتابة ما كنت أسميه شعرا، ولجأت إلى التبحر أكثر في البلاغة والنقد، الأمر الذي جعلني أقترب أكثر من معشوقتي التي لا أعرف غيرها، وأحمل على عاتقي مسؤوليات خفية تتحكم في تناولي أي نص، أو تعبيري عن أي فكرة أو مناقشتي أي فن لغوي.

لم يبتعد مجال عملي كثيرا، فبعد التنقل بين التدريس والتصحيح اللغوي استقر بي الحال في مهنة قائمة بالأساس على تذوّق اللغة، ليست الصحافة تحديدا، لكنه فرع “التحرير الصحفي” أو ما يطلق عليه في مصر “الديسك”، وهو يعني إعادة صياغة الموضوعات الصحفية وضبط إيقاعها اللغوي وضمان سلامة الجمل لغويا، لأطمئن له ويطمئن لي، ويوفر لي الائتناس الدائم باللغة، ورؤيتها أمام عيني يوميا، فلا تفارقني أحرفها التي عشقتها ولا أفارق شغفي بتفكيكها وتركيبها لفظا ومعنى كل يوم.

حسن معروف

ناقد وصحفي

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى