المنطقة الحرة

الشهاوي.. الخارج من ذاته

سعيد شحاتة.- اكتب صح

الشهاوي، حينما يجلس الشعراء في حضرة التصوف، ويلتحفون بالشعر أمام الليالي الدنيوية الباردة، وقئذ يشعرون بدفء المحب وطمأنينة الواثق، وكرامة الصوفي الوله..

في عام 1999 كنت أجلس على مقهى الشرق بمحافظة كفر الشيخ-على بعد أمتار من قصر الثقافة- وكان يجلس في الترابيزة المجاورة الممثل الشهير (محمود الشاذلي.. زعتر ليالي الحلمية) سمعته يتحدث مع أصدقائه عن شاعر كبير اسمه الشهاوي حصل على جائزة كبيرة.. سألت أصدقائي عن الاسم وكنّا في الجامعة آنذاك، ولكنهم كانوا مثل لا يعرفون إلا علي قنديل، من صورته المعلقة على جدران المحلات المجاورة للمقهى، والتي تحمل عنوان احتفالية الشاعر الراحل علي قنديل.. “وهذا كان جهلا منّا”.. توجهنا إلى قصر الثقافة، وسألنا في اليوم التالي، دلّنا أحد موظفي القصر على المكتبة فعانقت أشعار هذا العملاق بقصيدة عظيمة اسمها “الموت والميلاد”، منشورة بإحدى المجلات المركونة على أحد الأرفف المهملة، التهمت القصيدة أكثر من مرّة إلى أن حفظت عن ظهر قلب معظم أجزائها فأخذت أرددها على أصدقائي في الجامعة…

” يُفَجَّرُ مِلْءَ رأسِي أَلْفُ شلاَّلٍ من السُّهْدِ/ إذا ما نام في الَّليلِ الخليُّونا/ ويَجْلِدُني زِحامُ تَجَمْهُرِ الأشواكِ في دربي/ فأهتفُ  -طائرَ اللُّبِّ-: أُحِبّك/ نَجْمَةً تَمْحُو دُجَى الأشياءِ من قلبي/ وتجعلُني أعيشُ مخاوفي وكأنَّني في عالمٍ ناءٍ عن الرُّعْبِ/ أُحِبُّكِ أَعْظَمَ الحُبِّ/فأنتِ حصاني المسحورُ والخاتمْ/ وفي عينيكِ أُبْصِرُ ثورةَ العالَمْ/ على الأصفادِ والطّاغوتْ/ وأَشْعُرُ أَنَّ شيئًا ما سَيَحْدُثُ../ يستثيرُ النّاسَ../ يُخرجهم من التَّابوتْ/ فأَرْسُمُ أَجْمَلَ الْقُبُلاَتِ فوق جبينكِ المعبودْ/وأُقْسِمُ إنَّ (يُونُسَ) لن يظلَّ الْعُمْرَ مسجونًا ببطن الحوتْ”

هذا المقطع من المقاطع التي جعلتني أفتّش عن الشهاوي في كل ركن أدبي أوجد فيه، أتشمم رائحة شعره العبقة، أتحسس خطاه وكأنه وليّ، سألت عن أعمال الرجل فلم أجد في هذا التوقيت إلا ديوان “مسافر في الطوفان”، ولن أبالغ إذا قلت إن هذا الديوان هو الأكثر من حيث القراءة بالنسبة لي، فكلما ضاقت بي الدنيا عدت أدراجي إليه، وكلما زادت سعادتي عدت إليه، ديوان أخذت من وقته الكثير، فلم أمهله على الرف للاستراحة إلا بعد حصولي على ديوان “زهرة اللوتس.. ترفض أن تهاجر” هذا الديوان الثاني الذي أرشدني الشهاوي عليه دون أن أراه، فدلّني أكثر على الشهاوي كأب ومحب وأستاذ، يبحث عن تلامذته قبل أن يراهم، ويعلّمهم من دون أن يجالسهم، ويربت على أكتافهم بأبيات تختزل بكارة الشعر وبراءة العذارى وجرأة الوحوش الضارية…

“إليكَ يا أبي.. إلى روحِكَ الطاهرة.”.. ” إلى أيمن: فاتحةِ الفرحِ وخاتَمتِه”.. “إلى أصدقائي”..  “مهيضٌ أنا منذُ صيّرني الشِّعرُ طيرًا بأفق البلاد الْعَلِيَلةْ/ مهيضٌ أنا: والذي يَجْهَلُ الشِّعْرَ..كيف له أن يحيط بعُمْقِ جروحِي!/ لعلّ أقلَّ هموميَ أنَّ جناحَيَّ ضاعا/ وما زلتُ أبحث عن أمّةٍ مستحيلةْ”

بهذه الإهداءات البسيطة عميقة المغزى، وبمقطع الغلاف الخارجي استقبلت ديوان “مسافر في الطوفان”، ومن هذين الإهداءين “إليهما معًا: أُمِّي والحُرِّيَّة!”.. “”إلى الشهيد السعيد عبد العزيز نصّار/ زميل الدراسة والمسكن، وصديقًا لم يغِبْ”.. وهذا المقطع “حذارِ حذارِ يا أحبابْ/ فإنَّ عجافَ سبعِ سنين ماثلةٌ على الأبوابْ/ وأُخْرى ثمَّ أخرى ثم أخرى يابساتُ الضرعِ والأعنابْ/ وعامًا بعدها فيه يشلُّ الناسَ هولُ الموقفِ/ الصدمةْ/ فهبُّوا من مضاجعكم قيامًا واشحذوا الهمَّةْ/ عسى أن تَنْجَلِي الغُمَّةْ/ ويرحلَ ذلك الغولُ الذي يُقْعِي على الأبوابْ”  ولجت إلى ديوان “زهرة اللوتس ترفض أن تهاجر”..

بعد كل هذا الشغف وهذا التتبع وهذا التوق للرؤية انطلقت للبحث عن الشخص ذاته، فسألت عنه فأخبرني الأصدقاء أنه مريض ويلازم فراشه في عين الحياة “قريته التي لم يتركها لتمسكها به وارتباطه بها”، في هذه الفترة كانت الأزمات قد زادت وتفاقمت بنادي أدب كفر الشيخ، وكنّا كشباب قد داهمنا الملل من الصراعات الوهمية التي يخوضها الجميع ضد الجميع، اتفقت مع زملائي على زيارة الشهاوي في عين الحياة، تحمسنا للفكرة وحددنا الموعد من دون أن نخبره أو نرسل إليه من يخبره أن هناك مجموعة من الشباب يريدون مقابلتك، توجهنا مباشرة إلى القرية الساحرة “عين الحياة” قلت فور وصولي إليها “اسم على مسمى” قرية بهذا الجمال لا بد من أن تلد جميلا محبًّا للجمال، أرهقنا أحد الثرثارين الذين تطوعوا لإرشادنا وخرّم آذاننا بالحديث عن نفسه وعن بطولاته وعن عبقريته الفذة وعن مشاريعه المقبلة وعن قصائده المزمع كتابتها هذا العام… والمزمع كتابتها العام المقبل… وخطته التسعينية التي يعكف على وضعها ليمارس الحياة كما ينبغي لها أن تمارس، حدّثنا عن نفسه فأثقل الرحلة على نفوسنا، فتحدّثنا عن الشهاوي فيما بيننا، فأخذ يحدثنا هو الآخر عنه بعد أن أظهرنا له ضجرنا من ثرثرته أكثر من مرّة… حديثه عن الشهاوي جاء عذبًا، جميلا، رقراقًا، فتعجبنا من ازدواجية منطق هذه الشخصية العجيبة “المرشد”، عرفنا منه أن هذا الرجل حينما يسير وسط هذه الحقول الناضجة بالشعر يصمت تمامًا، ويتأمل لدرجة أنه من الاستغراق ينسى أن الظلام قد حلّ، يسير كأنه في فردوسه، ويغازل الفراشات كأنه صديق حميم، يداعب سنبلات الزرع بأصابعه ويتهجّى معشوقته “الاستثناء” بين أشجار التوت والجميز والكافور والصفصاف وبين أعواد الحنطة… يتغزّل في الشمس ويتمعن في وجه الملكوت الصبوح بروح هائم…

ذكر لنا موقفًا غريبًا للشاعر الشيخ الذي اعتلى منبر المسجد فأبى أن يقلد الخطباء العاديين وخرج من ذاته وألقى قصيدته “الخروج إلى المطلق” لم نسأله عن القصيدة التي لم نقرأها من شدة الدهشة وانشغالنا بمعرفة رد فعل المأمومين في المسجد، أخبرنا أن المسجد عن بكرة أبيه هلل مع كل سطر شعريّ وكبّر لدرجة أن البعض صفقوا فور انتهائه من القصيدة..

على أعتاب بيت هذا الرجل تجمع المريدون وصعدنا، فلم نجد ما يمنعنا من الدخول على شاعر كبير طريح الفراش، الكرم لا حدود له، والمحبة طاغية، والبيت يشبه صاحبه المضياف.. يرقد الشهاوي على سريره، فنجلس بجواره، لا نتحدث في شيء لمدة ثلث الساعة، ينظر إلينا نظرة محبّ، والثرثار لا يكف عن عبارات الإطراء والمغالاة في القول… سألنا بصوت هامس عن أسمائنا بعد أن أسكت هذا المزعج، وعن نوعية كتاباتنا وعن بلادنا وعن خرائط حيواتنا فأجبناه وتحدثنا –كسذّج- إليه في المشكلات التي تواجه نادي الأدب بكفر الشيخ، فقال اكتبوا ولا تلتفتوا إلى شيء آخر… أنتم من تصنعون أنفسكم فكونوا أنتم…

سمعنا هذه العبارات ولشدة إعيائه في هذا اليوم فضّلنا ألا نثقل عليه، خرجنا والسعادة تغمرنا، وعباراته يرنّ صداها في قلوبنا..

بعدها بفترة فاز بجائزة كبيرة، فدعيت للذهاب مع الشباب لمرافقته وهو يتسلم الجائزة، ذهبنا إلى قصر أندلسية الضخم بالإسكندرية، ودعي الشاعر الكبير من المنصة ليلقي قصيدته، الجميع تخيّل أنه سيلقي على مسامع الحاضرين المرأة الاستثناء، لكنه تعامل في هذه الأبهة وكأنه على منبر مسجد قرية عين الحياة… فوجئ الحاضرون بخروجه من ذاته ليلقي قصيدته “الخروج إلى المطلق”، تعجبوا وقال مقدم الحفل بعد أن انتهى الشهاوي “نشكر الشاعر الكبير محمد محمد الشهاوي على ورده الصوفي” قالها وكأنه يستنكر القصيدة، ولكن الشهاوي انتهى من إلقائها والسعادة تغمره…

قلت في نفسي هذا هو الشهاوي الذي خرج من ذاته حتى في حفل كبير كهذا، هذا الصوفي الجليل الذي لا يريد منها إلا ما قاله في قصيدته التي أسمعها لأول مرّة، كنت كالمأمومين في مسجد عين الحياة في هذا القصر المنيف، أهلل وأكبر مع كل سطر شعري يقوله، ومع كل تفعيله يصر على تقطيعها ليتجلّى معها..

السؤال الذي طرح عليه بعد أن ترك المنصة من الجميع: لماذا لم تلق المرأة الاستثناء؟ فكانت إجابته أنه نظر إليهم وابتسم قائلا: الحمد لله…

هي الرسالة التي أراد أن يبلغها لهذا المجتمع… ألقاها وترك من يتأمل لتأمله، ومن يتنكر لها لذاته.. لكنه سعيد بإلقائها بهذه الطريقة، في هذا الجمع، بين هذه الجدران…

“اُخْرُج من ذاتكَ فالذات نِقابْ/ والليل القابعُ فى جنبيك حجابْ/ ولكي لا تبقَى محجوبَا/ ولكي لا تحيا مغلوبَا/ لا تستسلم لظلامٍ يطويكْ/ واستجلِ النورَ الكامن فيكْ/ واستنفِر أقصى طاقاتكْ/ فسجونُ الْعَالَمِ -كُلِّ الْعَالَمِ- لا شيء/ إن لم تَسْجُنْ ذاتُكَ في ذاتِكْ/ إن لم تُسْجَنْ ذاتُكَ في ذاتِكْ”

الشهاوي الخارج من ذاته لا يحتاج من العالم إلا قصيدته، التي لا تصلح لمغازلة السلطة ولا تستدر المال ولا الجاه…

“غيري يجيد مدائح الشعراء.. ويحيك ثوب الحسن للشمطاء

وسواي يتّخذ القصائد سُلّمًا… من غير ما حَرَجٍ ولا استحياءِ

إن قيل: “شرق” قَعْقَعَتْ قافاتُهُ.. أو قيل: “غَرْبٌ” هبّ نحو الباءِ

أنثاه أيَّةُ مَرْأَةٍ، وحماهُ أيَّةُ….. دولةٍ، وهواه مَحْضُ هواءِ

تلقاه حرباء المواقف كلِّها… وهل الأديب الحقُّ كالحرباء؟

سعيد شحاتة

 

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى