المنطقة الحرة

الفضائي

تدقيق لغوي: جهاد السنيطي

«فجأة وجد نفسه يعيش على سطح كوكب بمفرده، لم تكن أمامه خيارات كثيرة، فإما أن يقاوم ويبقى حيًّا وإما أن يندب حظه حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة، لكنه اختار المقاومة والاستمتاع بالحياة والبحث عن سبل العيش فوق كوكب لا يوجد به كائن حي سواه، وبدأ ضبط إيقاع حياته الجديدة، وخلق عالم فريد، واستعمر الكوكب المُعادي للحياة، وزرع أرضه، وجعل الموسيقى تنتشر في أرجائه، بل واستطاع أن يجد طريقة للتواصل مع سكان كوكب الأرض عبر جهاز صغير، ويبلغهم أنه ما زال حيًّا، وظل متفائلًا، لم يقنط، ولم يجزع، ورغم قسوة التجربة فإنه جعل منها مصدر إلهام، وطاقة إبداع».

هذا ما فعله بطل الفيلم العالمي «المريخي»، وهو بالضبط ما يفعله «عمر طاهر» دائمًا!

لذا حين شاهدت الفيلم تذكرته، كونه واحدًا من رواد الفضاء الذين يبحثون عن الجديد والمختلف والأكثر دهشة وبهجة وتفردًا، فهو يمتلك كثيرًا من سمات رائد الفضاء، فهو شجاع يبحث عن تغيير الذوق العام لكنه لا يعاديه، وانطوائي لكنه لا يستطيع العيش دون محبة الآخرين وآرائهم، ويصعد إلى المريخ بأفكاره لكنه يحلم أن تخدم سكان كوكب الأرض، وتُغير حياتهم.

كان يمكنه اختيار الطريق السهل الذي سبق تجربته، واختبره كُثر، وعرفوا نتائجه، وأكدوا صلاحيته للسير والنجاح والشهرة والنجومية، لكن «عمر» لا يبحث عن هذه الأشياء فحسب، وإنما يريد أن يبتكر مفهومات جديدة لها، فهو يهوى السير في الطرق التي لم يمر بها أحد قبله، ويود أن يستكشف طريقًا جديدًا للنجاح، ويتمنى أن يكتب بلغة لا يكتب بها سواه، شريطة أن تصل إلى قلوب الناس وعقولهم، فهو لا يكتب إلا إذا كان المسرح ممتلئًا، لكنه في الوقت نفسه يكتب لنفسه أولًا.

بدأ «عمر» حياته الصحفية بمجلة «نصف الدنيا» وسافر إلى عديد من الدول، وأصدر خمسة كتب، منها أربعة دواوين شعرية، ورواية ترجمها لباولو كويلو، وذلك حتى عام 2005.

وبعد عام واحد أصدر كتابه الساخر الأول «شكلها باظت»، وحين ظهر الكتاب كانت سوق الكتب راكدة، وأسماء الكتاب الكبار وحدهم تتصدر واجهات المكتبات، وكان عدد الناشرين محدودًا، لكن الكتاب حرَّك المياه الراكدة، وأحدث ثورة في شكل الكتاب، وخلق جمهورًا جديدًا وكبيرًا، وزاد حجم الجمهور في كتابه التالي «كابتن مصر»، وصنع «عمر» لنفسه جماهيرية خاصة، لكن أظن أن أكثر عمل بذل فيه «عمر» جهدًا كبيرًا هو سلسلة مقالاته عن «صنايعية مصر».

 «عمر» فتح الباب خلفه لعدد كبير من الكتاب الساخرين، بعضهم نجح وواصل وبعضهم لم يكن يدرك الفرق بين السخرية والكلام الفارغ، لكنه لم يكن وحده السبب في صناعة طوفان الكتابة الساخرة، فهناك آخرون، أبرزهم صديقه «بلال فضل» بمقالاته في جريدة «الدستور» حين كان الأستاذ «إبراهيم عيسى» رئيس تحريرها، فقد جعلا -«بلال» و«عمر»- بنجاحها اللافت بعضَ الناس يظنون -وبعض الظن إثم- أن الكتابة الساخرة سهلة وبسيطة ولا تحتاج إلى جهد أو علم أو لغة عربية!

ما فعله «عمر» هو بالضبط ما فعله العم «محمد عفيفي» حين فضَّل أن يذهب بعيدًا عن الطريق الذي شقَّه محمود السعدني وأحمد رجب، وكلاهما كان ملء السمع والبصر، لذا أظن أن «عفيفي» هو الأقرب إلى قلب «عمر»، لأن كليهما أراد أن يصنع طريقًا مختلفًا، وقناة موازية، وسِكة جديدة، وقد كان لهما ما أرادا.

«عمر طاهر» يعشق التفاصيل، وأحيانًا يعيش من أجلها، ويدقق في ما يفعل، وينفعل بما يكتب، ويهوى الأضواء الخافتة، ونجوم الظل، فهو يحب من يشبهونه ويشبههم، ويكتب من أجلهم، وقد يهتم برأي طفل صغير ويتجاهل رأي كاتب كبير، فالمعيار لديه هو صدق الرأي وليس صاحبه!

الكاتب الصحفي محمد توفيق


اقررأ أيضًا:

فنان الجيل

عمر طاهر مؤرخ جيل الثمانينيات!

كتابة صُنِعتْ بحب

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى