المنطقة الحرة

المقال الأكثر قراءة

حسام مصطفى ابراهيم

المفروض أن أكتب في هذه المساحة مقالا، يكون الأعلى قراءة خلال فترة وجيزة. هكذا طلب مني مدير التحرير، فعن أي شيء أكتب؟

شهداء سيناء، وبطولات الجيش في مواجهة الإرهابيين؟ سيقولون منافق!

الحرية الجنسية والقانون الذي صدر في أمريكا مؤخرًا لمنح المثليين الحق في الزواج؟ سيقولون منحلٌّ!

غلق محطة السادات، التي لم نكد نفرح بفتحها، ولسه هنقول “هيه”، قاموا قافلينها تاني؟ سيقولون جحش لا يفهم في الأمن القومي!

العلاقات الإنسانية التي تزداد هشاشة يومًا بعد يوم، تحت ضغط الظروف المادية والنفسية الصعبة التي نمرّ بها منذ فترة، حتى توشك أن تجعلنا مجموعة من الزومبي الذين لا يتحركون سوى لتلبية رغباتهم الطبيعية فقط؟ سيقولون تنظير فارغ!

استفزاز إعلانات التليفزيون، وتوحّشها لدرجة التهام الأعمال الفنية المقدّمة، وتحويل مشاهدتها إلى ابتلاء حقيقي لا يقدر على تحمله الكثيرون؟ سيقولون جاهل ولا يفهم في أصول البيزنس!

حملة كوكاكولا الذكية التي أخّرتها للآن، ثم قرّرت عرضها على يوتيوب، وتوفير تكاليفها الباهظة لإعمار 100 قرية فقيرة؟ سيقولون متملّق، ولعله يبحث عن عمل لدى كوكاكولا أيضًا!

صديقتي التي أثخنتها القاهرة بالجراح، وأشبعها البشر غدرا وخديعة، حتى لم يعد في جسمها موضع لطعنة، فلملمت نفسها، وفردت الأجنحة نحو نويبع، لتقاتل من أجل مساحة شخصية ومحاولة لإثبات الذات؟ سيقولون شخصي جدا ولا يعنينا!

النفاق الذي أصبح يحكم كل شيء في مصر، خاصة في العمل، فلم يعد أحد يرتقي إلا به، أو يحقق شيئا من طموحه إلا من خلاله؟ سيقولون حاقد!

القراءة والكتابة ورسومات فان جوخ وموسيقى فاجنر وبيتهوفن التي لم تزل عنوان المودة والرحمة في هذا العالم؟ سيقولون مثقف والعياذ بالله ومنفصل عن الواقع!

مشاعر عدم الأمان التي تتعاظم داخل النفس، في ظلّ كل ما يجري من أحداث، والخوف على مستقبل أبنائي الذين تحمّلت كل شيء من أجل ألا يمروا بنفس ما مررتُ به، ويبدو أنهم سيمرّون بما هو أسوأ منه؟ سيقولون متخاذل، ولا يقدّر خطورة اللحظة الراهنة!

استيلاء فيس بوك على أيامنا وطاقاتنا، حتى أصبحنا منفصلين عن الواقع تماما، وبعيدين عن أسرنا وذوينا والحياة الطبيعية للبني أدمين؟ سيقولون عدو التكنولوجيا، ويريدنا أن نرجع لأيام الجنيه الجبس!

رمضان الذي لم تعد فيه روحانيات ولا صلة رحم، وإنما كنافة بالمانجة ومسلسلات وعزومات نتباهى فيها بطول السُفرة وتعدد الأصناف عليها بلا داعٍ، سيقولون فقري!

فلم يعد أحد يمكنه أن يعبّر عن رأيه، ويتحدّث عن قناعاته وما توصّل إليه بتجربته، دون أن يُصنَّف، ويُوضَع في قائمة سابقة التحضير. الإرهاب ليس في سينا فقط، وإنما في نفوسنا، وفي حين نهاجمه ونصرخ في وجهه إذا ضبطنَا غيرَنا متلبّسا به، نرعاه في أعماقنا، وننميه بكل حرص، حتى نحتاج إليه، فنطلقه بلا حياء في وجوه منافسينا.

ناهيك عن أنه لم يعد من الوارد أن نتفق على شيء أصلا. مضى ذلك الزمن السعيد الذي كنت تجد فيه معارضين ومؤيدين، الآن الكل معارض فقط، حتى إن لم يفهم، حتى إن لم يفطن إلى الملابسات، فصورة المعارض والمختلِف تجعله برنسا في نفسه، وله شخصية لولبية لا يستهان بها.

حتى فكرة الأعلى قراءة، ابتُذلت حتى فقدت معناها تمامًا، ففيها لعب بالترافيك، ويمكن شراؤها، أو اللجوء لأحد محترفي السوشيال ميديا لوضعك على القمّة. وإن كنت تريد طريقا أسهل لها، فعليك بالموضوعات الساخنة والمثيرة للجدل، والصور الملتهبة والفيديوهات الفجة، لتصبح الملك، الرُخص والخداع أصبح أسلوب حياة!

حسنا، ماذا تبقى في مصر؟

قلة قليلة لا تزال تحاول أن تعبّر بصدق عما تشعر به، وتُكمل طريقها في صمت، وهي تدعو الله من قلبها، أن يتركهم الآخرون في حالهم، فقط يتركونهم، دون سخرية، أو تقريع، أو تحطيم مجاديفهم، علّهم ينعمون، ولو لفترة وجيزة للغاية، بسلام نفسي، أسهل منه هذه الأيام، اكتشاف البترول في غرفة نومك!

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى