المنطقة الحرة

المنسي قنديل يستدرج شخصياته للبوح في «آدم من طين»

إلهام زيدان

عقب الانتهاء من قراءة المجموعة القصصية “آدم من طين”، الصادرة عن دار “الشروق”، للكاتب الأديب محمد المنسي قنديل، وجدت عندي الرغبة في الكتابة عنها.

بداية أنا لا أزاحم النقاد مقاعدهم لأكتب نقدًا متخصصًا عن العمل، فللنقد أهله وأساتذته، ولكني أكتب كقارئة أو متذوقة للأدب لا أكثر.

تضمّ المجموعة خمس قصص قصيرة وروايتين قصيرتين، عناوينها “احتضار قط عجوز”، “عصر الحديد الخردة”، “راوند”، “نوبة وداع بائع الحليب”، “قتيل ما في مكان ما “، “وقت للجفاف ووقت للمطر”، “آدم من طين”.

الكتاب صدر مؤخرًا بهذا الشكل في مطلع العام الحالى، وينوه الكاتب في الصفحة الأولى إلى أنه قد نشر المحتوى في كتابين منفصلين من قبل بعنوانين، هما “احتضار قط عجوز”، و”آدم من طين”، لافتًا إلى أنه ضم الكتابين معًا في كتاب واحد، لأنهما يمثلان تجربة متصلة في الكتابة.

اختار المنسي قنديل عنوان الرواية القصيرة “آدم من طين” عنوانًا رئيسيًا للمجموعة، وهو يحمل إحالة إلى أصل خلق الإنسان، ويعد العنوان، في الوقت نفسه، صالحًا وملائمًا لكل قصة من القصص الت] تحتويها المجموعة، خاصة إذا ما أعدنا النظر إلى سلوكيات الشخصية والجانب البشرى المقدم من الشخصية في كل قصة، وكذلك إلى تطور الأحداث.

فشخصيات القصص بعيدة عن الأبطال المثاليين أو الأسطوريين، لكنها تتميز بالعمق الإنساني، ربما يتعمد الكاتب إظهار جوانب الضعف والبشرية، ويذكرنا بعنصر “الطين”، مادة الخلق الأولى للإنسان، فنجد من بين هذه الشخصيات المرأة الساقطة، تلميذة الثانوي، والممرضة العاشقة للطبيب، والحبيبة، والخطيبة التي يضيع خطيبها في آتون الحرب، والمرأة الشبقة والمشتها ، والرجل المسن الذى يبتغى دفع بقية عمره مقابل لحظة واحدة من المتعة، والآخر مدرس كلية الطب الذي ينقلب حاله بعد إصابته بالعجز الجنسي.

دراسة المنسي قنديل للطب ومهنته الأصلية كطبيب تجعله لا يتورّع في الكشف عن أصل الوجع ومكانه، ولا يشمئز من مخلّفات الجروح ومضاعفاتها، وربما يلحظ المتلقي أن الكاتب ينصت إلى حديث الشخصيات باهتمام الطبيب المتميز ويهيئ لهم أجواءً ملائمة للبوح بخبايا أنفسهم، ومع ذلك فهو يتعامل مع الأمر بحيادية ولا يشتبك مع الشخصيات بل يدع للقارئ مهمة الاشتباك والانفعال معهم، وربما يترك القارئ المتعجّل حتى يقع في فخ إدانة الشخصيات، وإطلاق أحكام لكن الكاتب لا يدع الأمر يسير بهذه الوتيرة إلى نهاية القصص، بل يكشف للقارئ بالتدريج خلفيات ودوافع كل شخصية لتصبح القصة مآلات لنشأة اجتماعية وثقافة وظروف سياسية لكل شخصية، كما أنه وبمهارة، لا يغفل الاهتمام برسم الشخصيات العابرة أو الثانوية بالقصص.

زمان القصص يتأثر بزمن كتابتها، فأقدمها كتابة “وقت للجفاف ووقت للمطر” التي تعود إلى عام 1976، ويستدعى فيها الكاتب ذكرى الحرب والاستشهاد، كما يستدعى بداية الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات في قصة “عصر الحديد الخردة”، فيقدّم بطل القصة مصابًا بعاهة في ساقه بعد مشاركته في الحرب، وتتحول في القصة إلى خردة يتم المساومة على بيعها في مخزن إحدى شخصيات القصة.

الأمكنة في القصص متنوعة، منها مناطق عشوائية، أرياف، شوارع وحواري، داخل وخارج مدن مصر، كما نلاحظ تداخل الأزمنة والأمكنة في بعض النصوص بشكل يثير الذهن ويستحوذ على القارئ الذى لن يستطيع من القصص فكاكًا.

إضافة إلى أن لغة القصص تتميز بالسلاسة والجاذبية، وتتمتع بجانب كبير من التشويق الذي يحقق المتعة، باعتبارها الهدف الأول من القراءة.

اقرأ أيضا

رسائل الغياب

لماذا لم تعودي يا ميس شيرين؟ 

المدينة البعيدة

كساحر خفيف اليد

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى