المنطقة الحرة

بين «صغيرة على الحب» و«أحلى الأوقات».. اختاروا يرحمكم الله

دينا سعد - اكتب صح

أدركت في سن صغيرة أنني لم أختر اسمي، ثم أدركت أنني لا أختار عمري، فهو يكبر كل يوم، دون استئذاني، يأتي رغما عني أو برضائي، عشته أم قررت أن أقضيه  في فراشي، لا أفعل أي شيء، ومن ثم بدأت ألاحظ أنني لا أختار الكثير، رغم أني أريد هذا، ولا أريد ذاك، فأنا لا أريد أن أذهب إلى المدرسة مثلا، لا أريد أن أتعلّم.

لم أستطع أن أحب المدرسة في طفولتي، وكنت أقضي فيها خمسة أيام في الأسبوع، كل يوم نحو سبع ساعات، بالإضافة إلى ساعة ذهابا وساعه إيابًا، وليس بيدي سوى قراءة أسامي المحلات، وغناء بابا، لتمضية الوقت، بالإضافة لعدد ساعات الحفظ والفهم وكتابة الواجب وكتابة الدرس خمس مرات، عقابا على غلطة إملائية!

كنت أشعر أنني معذبة، وأقضي طفولتي بين الأوراق والكلمات التي لا أراها إلا عقابا لشيء لم أرتكبه! مسجونة في زيّ مدرسي لعين. المريلة ذات اللون الرصاصي، والضفائر ذات الشرائط الساتان، حاملة حقيبتي التي دائما ما تختطف ظهري إلى الخلف، ممسكة زمزميتي ذات الغطاء المفقود.

طفلة بائسة، تفضّل أن تأكل الشوكولاتة في الصباح، والساندويتشات في الغداء، ولا تشرب اللبن إلا باردًا في المساء، لكن للأسف كانت الشوكولاتة تـأتي مساءا، في حين كان الإفطار محصورا بين ساندويتش الجبنة والمربّة وكوب اللبن الدافئ الخالي من السكر!

وطالما تساءلت متى ستنتهي هذه المأساة، ومتى سأنهي فترة عقابي تلك، كي أتجه إلى الفن والتمثيل والكاميرا! فما الداعي إذًا لتضيع الوقت، فقد كنت أريد أن أصبح الطفلة المعجزة في السينما، وانتهت مرحلة طفولتي بين أسوار المدرسة العالية، وداخل الفصل الذي يحوي الكثيرين من أمثالي! لهم نفس الطول والصفات  والملابس والألوان!

إذًا هذا المكان لا يفتقر لوجودي. فأنا مثلهم، وهم مثلي، ووجود فرد واحد أو اثنين في المكان يُغني عني، لكن السينما لا يوجد بها كل هذا الكم من التشابه!

فلكل شخص مذاق خاص، لكل منهم لونه وطعمه ورائحته، فسعاد حسني غير زبيدة ثروت، ونادية الجندي لا تشبه إلهام شاهين، وأحمد ذكي مختلف تماما عن عادل إمام.

وكنت أرى أنني مختلفة عن باقي الفصل، وأن هذا ليس مكاني، ولا يقدم لي سوى المزيد من إهدار الوقت، فأنا -مع احترامي الكامل للتعليم- لم أبالِ يوما بأن الأرض تدور حول الشمس، ولا عدد الكواكب، ولم يثر فضولي أبدا بعملية البناء الضوئي. وأتذكر يوم خرجنا لحوش المدرسة لإجراء تجربة علمية عن النباتات، ووقفنا تحت الشمس، نراقب زهرة من المفترض أن تتحرك أو ما شابه، لقد كان الجميع في تركيز تام، فيما عداي.

 فقد كان كل ما يشغل تفكيري حينها، أنهم لو تركوني أختار كما أشاء، لكنت الآن في موقع التصوير، أقف أمام الكاميرا، وأتحدّث بطلاقة، وأستمر في التمثيل والتمثيل، حتي يوقفني أحدهم بتصفيق الانبهار، وحينها سأتوقف عن التمثيل، وأبدأ في الاستمتاع بنجاحي، ونظرة الآخرين لما أفعله.

ولكنني ظللت واقفة  تحت الشمس، أراقب الزهرة التي كرهتها حقا، أخطف نظرة إلي معلمتي، ثم إلى زملائي، وأتساءل مره اخري،،لماذا ؟؟

وللأسف فقد ظللت أمارس التعليم فترة طويلة، تخطت الخمسة عشر عاما، وسرقني الوقت حقا، ولم أستطع أن أمسك سيفا لأقطعه إربا إربا وأنتقم!

لم أستطع أن أوقف الزمن حتى أنتهي من تعليمي، ولم أستطع أن أتعلم ما أحببت. لأنه أيضا لم يكن اختياري، ولكني استطعت أن أوقف إحباطي، وأنمّي شغفي بما أحب، وأحافظ عليه من عوامل التعرية، حتى لا يتأثر، وجعلت منه عالما خاصا جدا، أهرب إليه وقتما يطردني الواقع منه، وعندما تقفل جميع الأبواب، وعندما أضيع، ولا أجد نفسي، ولا أعلم هويتي.

أذهب إلى حيث أجد نفسي.. وأستمتع بمشاهده السينما والتليفزيون، غير مبالية بما يحدث من حولي، أفكّر ثم أتساءل للمرة المش عارف كام: هل كانت اختياراتي ستكون أكثر سوءا مما اختاره لي المجتمع والواقع واللازم والخبرة والمفروض؟!

وكانت إجابتي التلقائية ذات يوم، بالطبع لا، لأن اختياراتي كانت ستكون أفضل بكثير، وكثير جدا، يكفي أنني سأختار ما أحب، وأفعله، وأستمتع به، وأفقت وانتفضت وذهبت إلى معهد الفنون المسرحية، ووجدت أوراقي مرفوضة، قبل أن يتم اختباري، فقد تعدّى عمري الخامسة والعشرين!

وتذكّرت سعاد حسني في فيلم صغيرة على الحب، وذلك المشهد الذي قد يبدو لك كوميديا، لكنه مأساوي للغاية “بشرط ألا يزيد عمر المتسابقة عن أربع عشر سنة”.

وأدركت أنني تأخرت كثيرا، وحزنت، واعتكفت، وتقوقعت على ذاتي فترة لا بأس بها، ثم عدت وتذكرت باقي مشاهد صغيرة على الحب، عندما فعلت المستحيل لتصل إلى حلمها، وتخلّت عن هويتها تماما: عمرها واسمها وشكلها، ولم أكفر بما شاهدته أبدا، ففعلتُ كما فعلتْ تماما، ولم أكن بحاجه للتخلّي عن هويتي، ووجدتني بشكل أو بآخر على الطريق الذي اخترته، حتى إن لم أصل إلى نهايته، فهو من اختياري وكفى.

وتذكرت عمرو واكد في فيلم أحلى الأوقات، و”يمكن ما أكونش أهم واحد بتاع عرايس في البلد”، وبالفعل قد لا أكون مهمة من الأساس، وقد تكون أسوار المدرسة أكثر تقديرا لي، وقد يكون عمري ما ضاعش هدر!

لكن متعة اختيارك لحياتك، حتى وإن ذهب بك هذا الاختيار إلى حافة الهاوية يستحق التجربة.

فاختاروا يرحمكم الله، واسعدوا باختياراتكم.

الوسوم
أظهر المزيد

حسام مصطفى إبراهيم

مؤسِّس مبادرة (اكتب صح) ورئيس تحرير الموقع

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق