المنطقة الحرة

تطلّقوا.. تصحّوا

حسام مصطفى ابراهيم

تقول الأسطورة إن الرجل والمرأة لا بدّ أن يكملا حياتهما معا، مهما كان مقدار تعاستهما، من أجل تربية الأولاد!

وهو ما يفسّر لك كمّ البيوت المُغلقة على جراحها، التي تتزهزه في النهار، وأمام الناس، وفي المناسبات العامة، وتئنّ ليلا، وعلى مقعد الطبيب النفسي، وفي غرف الشات المغلقة!

يفسّر لك كمّ الشباب والفتيات التائهين الذين أصبحتَ ترتطم بهم في كل مكان، الذين ينتهزون أوّل فرصة تسنح لهم، لإخراج عقدهم في علاقاتهم بالطرف الآخر، وصولا لتكرار مأساة آبائهم الذين ضحّوا بحيواتهم وسعادتهم، فكانت هذه هي مكافأتهم!

يفسّر لك لماذا أصبحنا لا نجد متعة في الحياة، ّونفكر في الآخرة أكثر من الدنيا، بعد أن استحإلى مجرّد آلُات مفرغة من الروح، أجهزة ATM، تتحرّك بالقصور الذاتي وحده، من أجل أداء مهمة محدّدة، ينتهي دورنا بانتهائها، فلا يعود من مبرّر لوجودنا على ظهر الأرض! مع أننا لا نملك سوى حياة واحدة فقط، وليس هناك أيّ مبرر في الدنيا، لإنفاقها “بقشيشا” من أجل الآخرين، لا الأولاد ولا غيرهم!

فالأولاد، مهما طال مكوثهم بيننا، سوف يأتي يوم، ويفردون الأجنحة ويرحلون، ولا نعود بالنسبة لهم سوى رقم هاتف، وتاريخ كشف لدى الطبيب، ورمزا للأيام الخوالي، يستحلبونه أمام أبنائهم، ليظهروا كم أنهم بارون بنا ورائعون!

وفي أحيان كثيرة، نصبح عبئا عليهم، حتى نسمع بآذاننا دعواتهم أن يخفّف الله عنا، ويأخذنا إلى جواره!

جاحد أنا، وغير مقدّر لنعمة الأبوة؟

على العكس تمامًا، أنا أقول هذا لأنني أقدّر تمامًا نعمة الأبوة، وأسعى لوضعها في حيز التنفيذ.

فالأب والأم -أو أحدهما- لو افتقدا متعة العيش، كيف سينقلانها لأبنائهما -وهي أثمن ما في الوجود- وإن لم ينقلاها، فأي شيء آخر يستحق أن يحملاه إليهم؟

حدّثني –من فضلك- عن الطفل الذي ينشأ في بيت لا تنتهي فيه المشاحنات، وأب يكره طلّة أمه، وأم لا تطيق خيال أبيه، ويتبادلان شحنات الكراهية طوال اليوم!

حدّثني عن أم وأب يعايران ابنهما في كل لحظة، أنهما ضحّيا بحياتهما من أجله، وطعنا طموحهما في مقتل، كي يوفّرا له حياة كريمة!

حدّثني عن تمثال الأمومة والأبوة الذي ينهار كل يوم في عيون طفل من المفترض أن يخرج للعالم بعد قليل، كي يبني تمثاله الخاص! كيف سيصبح هذا الطفل عندما يكبر؟ أي قيم سوف يحملها بين جنبيه ويربّي عليها أبناءه؟

في المقابل، حدّثني عن أب وأم، استحالت العشرة بينهما، وسُدّت جميع أبواب التفاهم، وانقطعت بهما سُبل المودّة والرحمة، فكانا من النضج والشجاعة بحيث اتخذا قرار الانفصال في الوقت المناسب، ضاربين عرض الحائط بالمجتمع ومشورته العرجاء، وتشاركا تربية الطفل، أو تولّى أحدهما تربيته، كيف ستكون حاله؟ صحيح أنه سيفتقد الجو الأسري المحبّب، والاستقرار العائلي، وستكون لديه مشاكله، وربما لا تكون تربيته ناجحة بنسبة 100%، لكن مع ذلك، فرص أن يصبح إنسانًا سويًا، وفاعلا في المجتمع، أكبر من سابِقه.

الأمر يشبه من شارك في مسابقة، هناك احتمال –ولو كان ضئيلا- أن يفوز، أما في حال كونه لم يشارك أصلا، فليس من حقه أن يتوقع أي فوز!

ورغم أن الطلاق، وفقًا للثقافة الشعبية، كارثة وفاجعة ونهاية، فإنه في الواقع الفعلي على العكس تماما، قد يكون بداية جديدة فعليًا لجميع الأطراف، يقول الله في كتابه العزيز {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)}. فالله قادر على إغناء كل طرف، وتعويضه عمّا لاقاه، لأنه واسع العطايا، وحكيم بما يُصلح القلوب، ولا يُظلم لديه العبدُ مقدار أنملة.

فيجب ألا ترتجف أيدينا وقلوبنا أمام كلمة الطلاق، إذا كان فيها حلٌ مشاكلنا، إذا كانت هي الكلمة السحرية التي ستعيد الكون سيرته الأولى في أعيننا، وتعيد إلينا البهجة والمتعة والطموح.

بالتأكيد لا بدّ من محاولة مدّ جسور التفاهم والتوافق –مرة واثنتين ومئة- وبذل أقصى طاقة لرأب الصدع، والتخلّي عن أنانيتنا قدر الإمكان، والنظر للصورة الكلّية، ووزن المكاسب والخسائر، ومحاولة إيجاد مبرر –ولو كان واهيًا- للاستمرار، والسير في طريق التحمّل حتى آخر محطاته، وتقديم مصلحة الأبناء على مصلحتنا، لكن ماذا لو لم يجدي كل هذا؟!

ماذا لو استحالت العلاقة ثقبًا أسود هائلا يمتصّ كل الطاقة الإيجابية التي نشعر بها، ويحيلنا أجسادنا فارغة بلا روح؟!

ماذا لو تساوى ليلنا ونهارنا وفرحنا وحزننا وضحكنا وبكاؤنا وخوفنا وأمننا ووجودنا وعدمنا، ولم يعد أي شيء في الحياة يمكن أن يمثل فارقا بالنسبة لنا؟

هل نُكمل موتنا في صمت، أم نسعى في اتجاه نقطة ضوء ولو كانت شاحبة؟

رأيي ألا نستسلم لقيود مجتمع عقيم، لا يقدّر الفردانية، ولا يفهم إلا مصلحته، وصورته العامة، بعيدًا عن كونها مزيّفة أو مشوّهة أو غير حقيقية. ونعيش الحياة كما نحبّ، وننحاز لما نشعر أنّه يمثلنا، ولا نفكر في مئة عام مقدمًا، ولو وقف أمامنا العالم بأكمله. ونغامر، ونجرّب أوضاعا جديدة، وفُرصا أخرى، ومساحات مختلفة من الحرية واكتشاف الذات.

هناك، في الليل، عندما ينغلق النور، وتتكوّم في ركن الغرفة، تحدّق في المجهول، وتتذكّر كل الهزائم والانكسارات التي سحقتك، وأن الحياة كان يمكن أن تكون أفضل من هذا بكثير، وأن هذا لم يكن ما خططتَ له في بداية الرحلة، لن يفرق معك ساعتها أحدٌ، ولن تمتد يدٌ من العدم لتطبطب جراحاتك، وتمسح دموعك، سوى يدك أنت فقط.

فلا تبخلوا على أنفسكم بحياة “حقيقية”، واهربوا من تلك الأخرى اللعينة الباهتة والمعلّبة والبلاستيكية، التي يريدها لكم المجتمع فاقد البصيرة، كي تصبحوا مثله.

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى