المنطقة الحرة

 ثلاث كرات زرقاء

محمد عبده بدوي

             -1-

لا أعرف كم من الأيام مرّ عليّ وأنا هنا، مستلقيا على ظهري فوق سرير معدني أبيض في غرفة العناية المركزة، لا ساعة تعلو الحائط تشير إلى وقت، لا صحيفة جواري تخبرني عن تاريخ، لا نافذة تهديني إلى ليل أو نهار، لا شيء سوى جدران بيضاء مطلية بعناية فائقة، تُحيطني من كل جانب، كألواح ثلج سميكة، ينمو على أطرافها عشب أسود!

جسدي يكاد يتجمد، غارق في صمت بارد، لا يقطعه سوى دقات منتظمة لأجهزة مثبّتة خلف رأسي، موصولة بأسلاك ملوّنة تعبث بجسدي المستباح، أميل برأسي إلى أعلى:

…. ياااااااه ضمرت عضلاتي، تغيّر لون جلدي وأصبح غامقا بعض الشيء، رجلاي صارتا كمسمارين رفيعين، أنا الشاب الثلاثيني أبدو بهشاشة ورقة، وجسد طفل صغير لم يبلغ العاشرة من عمره!

…. هذا ليس جسدي!

                   -2-

كنت في طريقي للعمل لتقديم برنامجي على الهواء، فاجأتني مقطورة مجنونة على الطريق الدائري -طريق الموت- طرت وسيارتي الصغيرة في الهواء! صرت خفيفا كريشة معلّقة بين السماء والأرض، حتى شارفت أفقا لم يُطرق، ظننت أن الله يطلُ عليّ، ويمرّر كفه على جسدي ويدفعني نحو الأرض!

فتحت عيني، فإذا بي مستلقيا على سرير بغرفة العناية المركزة بأحد المستشفيات، كان لطف الله وعنايته المركّزة ما أبقاني حيا!

                  -3-

على باب غرفتي، وقف الطبيب بوجه ناصع البياض، ومن خلفه مساعدوه، كان كل ما حولي غارقا في البياض، يذكّرني بقصيدة أمل دنقل (ضد من)، كل ما حولي يشيع بقلبي الوهن.. كل هذا البياض يذكّرني بالكفن!

نظر إليّ ورفع يده اليمنى.. كان ممسكا بأنبوبة زجاجية تستقر فيها ثلاث كرات زرقاء صغيرة -تشبه كرات البلي التي كنا نلعب بها في طفولتنا- ومن طرف الأنبوبة، يخرج خرطوم أبيض، قال لي بثقة تليق بحكيم:

(احمد ربنا إنك لسّه عايش، ربنا لطف بيك، عشان نبدأ في العمليات ونركب الشرايح والمسامير في إيدك ورجلك، لازم نطّمن الأول على رئتك وكفاءة الجهاز التنفسي، الأنبوبة دي هى اللي هتخلّينا نطمن .. كل ما تقدر تنفخ فيها وتحرّك الكور التلاتة هنبدأ العمليات.. دي أول خطوة في طريق العلاج)

بعد أن أنهى كلامه، ألقى عليَّ نظرة عطف ورجاء… وانصرف.

حياتي إذًا تحت رحمة ثلاث كرات زرقاء! حياتك يا محمد واقفة على تلات بليات هايفة! لو حرّكتهم أنفاسي سأعيش!

                -4-

هل سأنجح في تحريك الكرات الثلاثة؟ هل ستطاوعني رئتاي؟ هل أعيش اللحظات الأخيرة من العمر قبل مغيب النور؟!

أنا أعرف أني ميّت، لن أغمض أجفاني في فجر اليوم التالي، أو أجلس عند الطرف بمائدة الإفطار مع عائلتي، أو أشعل في بطء سيجارة، وأراوح ما بين كلماتي بلقمة، وأمد العينين لطفلتي وهي تبتسم من خلف النوم، وتراوغ كي لا تلبس مريلتها، أو تتبعني عينان صحبتني في الرحلة تشيعان الحب، وتجذب باب بيتنا من خلفي!

                  -5-

ظللتُ عشرين يوما أجاهد لتحريك الكرات الثلاثة، أعرف أن الانسان ضعيف، نمرّ بتجارب كثيرة في الحياة، نكتشف فيها كم نحن ضعفاء، وأن الانسان مجرد نفس قد يخرج ولا يعود!

أحاول وأفشل، أحاول ثانية وأفشل، أستجمع كل قواي وأدفع بهواء صدري كله في الأنبوبة وأفشل، بعد ثلاثة أيام، تحرّكت الكرة الأولى بضعة سنتيمترات، كانت الفرحة البادية على وجوه من حولي يومها تثير الشفقة، لكنني نجحت وتحرّكت الكرة.

كانت سلمى، حبّة قلبي، طفلتي الكبرى، تأتيني كل يوم، وتجلس عند أطراف السرير نلعب سويا مع هذه الأنبوبة العجيبة، والتي أصبحت أتعامل معها كلعبة وليس كجهاز طبي، كنت طفلا كبيرا يلعب مع طفلته الصغيرة، تتمايل عليّ سلمى،  تضحك وأضحك معها.

-يلا يا بابا.

-خش ع الكورة التانية.

-يلا يا بابا أيوه كده يا بطل.

-برافوووو.

-يلا يا بابا.

             -6-

تحركت الكرات الثلاثة، وبدأت رحلتي مع العمليات الجراحية، حتى وقفت على قدمي من جديد، وعدت إلى عملي، احتفظت بهذه الأنبوبة في ركن بمكتبتي، كنت أخاف منها، وأتفادى النظر إليها دائما.

بعد مرور أربع سنوات على الحادث، أكتشف أن من حرّك الكرات الزرقاء الثلاثة هو ضحكة سلمى الحلوة.

اقرأ أيضًا:

الزواج ليس الجنس ولا الأمومة

الطوق الفراشة 

تطلقوا تصحّوا

لماذا لم أعد أصلي

كيف غير الشيبسي بالخل حياتي؟

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى