المنطقة الحرة

حرباء المدينة تعصب رأسها بقناديل البحر – قصة قصيرة

 نها سليمانمساء ربيعي بساحة المدينة، تتألق تحت شلال الضوء حرباء تعصب رأسها بقناديل البحر، تسكب ضوءا باردا كرنفالي الألوان. يراها المارة بأوجه متعددة حسب موقعهم منها.

وفى زاوية بعيدة خلف حجاب المساء وظل بناية شاهقة، وفى غفلة من الزمن، شاب وفتاة يمارسان الحب، تسرى رعشة بجسده تهز كيانه، تمتد لتسرى بها، يتّحدان و يتبخران كطيف مسافر إلى السماء.

الحرباء تدور في مكانها مختالة بعظمة بزينتها، مشعّة بقناديلها، باعثة مزيجا من الألوان الأصفر، والأحمر والبرتقالي، تخالط الأضواء البيضاء لمصابيح المدينة الضخمة.

يطوف حولها ستة رجال وامرأة، لا يلتفتون حولهم ولا يوقفهم أحد أو شيء عن الطواف.

لو رصدتهما من مكان قصي، ستجد الحرباء تدور متّخذة أشكالا متغيرة، وإن رصدتهما عن قرب تجد أن الحرباء ثابتة ويتحرك فقط الطائفون حولها. أما إن ولجت حيزهما، فسوف تجد صعوبة في تحديد أيهما متحرك وأيهما ثابت.

يتدفق للساحة مجموعة من البشر، طرحتهم طرقات الحلم المزدحمة بروّادها، يصطفون في صف منتظم ويبدأون في الغناء معا ككورال. يغنون في حماس يلهب المشاعر ويحمل النفس في أسفار مجانية إلى أزمنة مضت وأزمنة آتية و يبشّرون بالخلاص.

يجتذب غناؤهم المارّة، فيصطف بعضهم معهم، ويكتفى البعض الآخر بالمشاهدة والتعليق، ما بين التشجيع تارة والتوبيخ والاستهزاء تارة أخرى.

ما زال العاشقان في الزاوية البعيدة يتسامران بصوت خافت، ولم ينتبها بعد لما يدور حولهما، ولا لما يحدث في الساحة. يتبادلان النظرات واللمسات في هدوء وحنو. تقبّله الفتاة على خدّه، ثم تهمهم في أذنه بلغة قديمة يفهمها هو، يعود وجودها إلى سبعة آلاف عام خلت. وفي آن واحد يوجّهان أنظارهما إلى الساحة ويتابعان في صمت.

صف الكورال الذى بدأ الغناء أصبح صفوفا متتالية مكتظة وتغيّرت الأغاني، بحثتُ عن المجموعة الأولى فلم أجد منهم أحدا، فتيقنت أنهم رحلوا. اندفع مراهق ممن لفظتهم طرقات الغضب واقفا على رأس الصفوف منفردا، يغنّي بصوت مرتفع.  وياللعجب لم يمنعه أحد من مواصلة نشازه هذا! وغطّت الصفوف موجة من الفوضى.

الحرباء توجّه أنظارها إليهم مع انبعاث ومضات حمراء، يصفّق المتفرجون وتضجّ الساحة بنقرات الطبول، ولا أعرف علام يصفقون! في هذه المدينة لا تبقى أسرار لا تفضّ الأيامُ بكارتها. الأجواء مشحونة في مختلف جهات الساحة، منذرة بانفجار مروع.

تدير الحرباء ظهرها لجميع من بالساحة، ويواصل الطائفون حولها الطواف.

الفتاة واجمة وحبيبها كذلك، بعدما كدّر صفوهما ما انتبها إليه من أحداث بالساحة وتحركات الحرباء. بدأ العنف، واشتبك الجميع في حالة من الفوضى، ولم يعد يعرف الواحد فيهم إلى من يجب أن يوجه ضرباته! ودقت أصوات الساعات المعلقة في كل ركن، عازفة مقطوعة موسيقية تسمى “الرصاص والدم”.

وجاء الموت من كل جانب يشتم ضحاياه وكثيرًا ما كان يسبّهم! تقهقه الحرباء ساخرة، وتمسح عينيها الدامعتين. ولا يلتفت ولا يهتز رمش لأحد من الطائفين حولها.

وسط الاشتباكات، امرأة يأتيها المخاض لم تجد سوى الشاب والفتاة مقبلين عليها، حملاها إلى الزاوية البعيدة. أنجبت المرأة طفلا بمساعدة العاشقين، وبدأت في إرضاعه، وهما يجلسان بجوارها. الطفل شديد الشبه بأمه، رغم حداثة ملامحه. والفتاة تعطيه سبابتها

فيطبق عليها بكفه الرقيقة الصغيرة. المشتبكون ينتشرون حول الساحة كالجراد، فيهم العاشق ناهضا يزأر كالأسد، ليدفع المشتبكين بعيدا عن الأم وطفلها وحبيبته.

على طرف من أطراف الساحة المترامية، مجموعة تمارس بعض الطقوس الغريبة. إنهم كورال الصف الأول الذين اختفوا من الساحة! يستلون من شعورهم وقلوبهم وجيوبهم تماثيل دقيقة! يحطّمونها، يمر آخرون يلتقطون الحطام في عناء وصبر شديدين ويمضون.

يتحلّقون حول مجموعة من المرايا وينظر كل منهم في المرآة المنبسطة على راحة يده، فمنهم من يحطمها في غضب، ومنهم من يبتهج في سعادة، ويطوف عليهم رجل مسن صبغ البياض شعر رأسه ولحيته، يناول كلا منهم صورة صغيرة. صمتوا جميعا ورحل الرجل المسن وأخذوا هم في البكاء ومغادرة الساحة.

الحرباء تتباعد مدفوعة بإزاحات غير مرئية، فيما يواصل الطائفون حولها الطواف، تدفعهم نفس الإزاحات. وكلما تباعدت عن الساحة اعتمت، واقترب منها المرأة ورضيعها والعاشقان.

تتمايل الحرباء فتتساقط من عصابة رأسها قناديل تسبح في الهواء! تستقر حول قماط الرضيع تداعبه، يفتح عينيه بصعوبة ليبادلها النظرات، فتتمتم القناديل بلغو لا يفهمه أحد سواه.

تتعالى أصوات المتناحرين يأمرون المرأة أن تحضر مولودها إلى الساحة، وكذلك يأمرون العاشقين، وعليهم أن يختاروا طرفا من أطراف الاشتباكات لينضموا إليه. يتقدم الشاب قابضا على معصم حبيبته، فتنطلق معه كموجة رشيقة. ويقول لهم: أما المرأة فلم تعد تقوى على شيء بعد المخاض، هي نفساء ضعيفة لا تتذكركم ولا تذكر أي حدث ولا شيء مما ألمّ بها قبل الولادة، أما أنا وحبيبتي فلا نجيد الرقص على معزوفتكم البلهاء، ولا نؤمن في نهايات حمراء يملؤها الغضب.

أكملت الفتاة: أنا وحبيبي لا نجيد القتال، كل ما نعرفه جيدًا ما سترونه الآن.

وتعانق الفتاة حبيبها ويقبل أحدهما الآخر قبلة بمذاق الأبدية، ويوحي عناقهما مع بكاء الرضيع بتجلّي اللذة، الكلمة الأولى وبداية الزمن.

وتحوّل أنظار الجميع عنهما إلى الحرباء وهي ترقص، ترقص، ترقص والطائفين في طوافهم بلا انتهاء، يتبدد المساء.

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى