المنطقة الحرة

دمعتان.. و«قانون الجذب الشهاوي»

محمد حمدي أبو السعود- اكتب صح

أن يكون البكاء هو أول فعل مشترك بينك وبين إنسان، لهو وثيقة لعلاقة أبدية، بمجرد أن تبدأ، تدرك أنها –ولا شك- كانت موجودة من الأزل، في عالم ما غير عالمنا، ثم تسللت إلينا عبر أعيننا التي ربما كانت هي الثقوب السوداء اللازمة لهذه العملية.

في ليلة لم أجد مبررا لأحفظ مكانها في التقويم الأرضي، لبّيت دعوة من صديق لحضور أمسية شعرية “مغلقة”، في نادي أدب شبرا، بعد إصرار عجيب منه، وتأكيد على أنه دعاني في سرية لأنه يحبني، وهو ما أدركته حين بدأت الأمسية، وتأكدت منه عندما انقطعت الكهرباء، ربما برعاية من آلهة الحب والجمال والشعر، إذ وجدت الآلهة ذلك ضروريًا ليناسب قصائد الحاضرين التي كانت تبعث البكاء، في ترتيب لا أظن أنه كان سيخرج بهذه الدقة لو كان مقصودًا.

نحو عشرة شعراء بينهم صاحب الدعوة مختار الجبالي، ورفيق دربي الشعري وقتها عبد الرحمن الدسوقي، وأنا، وآخرون.. وعجوز يلمع شعره الفضي في الظلام ليزيد جرعة السحر التي تتسرب من صوته وهو يلقي قصيدته.. بل قصائده، فالجميع أصروا أن يتحفهم بالمزيد.

من هو هذا الرجل الذي ينضح تجاهه الحب من خلايا الرفاق؟ يجيب الجبالي: إنه شيخ الشعراء العرب محمد محمد محمد الشهاوي.

حسنا أيها “الشهاوي”.. لقد انتهت الأمسية، وسأكتفي بمصافحتك والمضي في سبيلي. كانت هذه نيتي، فلم أكن لأورط نفسي في موقف طالما هربت منه، أن أتعلق بأحدهم بعد أن أبكاني، حتى لو لم يكن متعمدًا. لم أكن أعي السبب وراء هذه العادة النفسية، لكن ما حدث بعد ذلك كشف السر.

في جلسة مع صديق مقرب بمقهى في وسط القاهرة، وجدت ذلك الغريب، كان صديقًا لصديقي، معتدًا بنفسه، عرّفه إليّ صديقي بأنه “شاعر” من كفر الشيخ اسمه محمد هشام. لم يكن حميميًا بما يكفي لأجد في داخلي هذا الشغف للتواصل معه والاقتراب منه، فالشعراء كثيرون هنا، وأصدقائي أكثر.. ولديّ ما هو أهم من التعرف إلى غرباء.

هكذا حصلت على رقم هاتف “هشام” بسيف الحياء ربما، مدفوعًا بالسبب المجهول ذاته.

في جلسة أخرى بنفس المقهى، عرّفنى أحدهم إلى غريب آخر من كفر الشيخ أيضًا. شاعر يكتب قصيدة النثر، اسمه “أحمد صبحي”. كنا متورطين جميعا في سهرة شعرية على شرف حفل توقيع ديوان لأحد الأصدقاء. لم أكن متحمّسًا لتكرار التجربة مع “صبحي” الذي لم تكن تعبيرات وجهه تشي بشيء إلا محاولة استكشاف جو وسط القاهرة، لكن السهرة لم تنته إلا وكان هذا الغريب الجديد مرافقًا لي وسط زحام الحفل، ويكيل من الأسئلة ما كادت لكثرتها تبعث التأفف.. قبل أن تتنبه حواسي بقوة لم أفهم سرها وهو يسألني: “تعرف محمد هشام؟”.. قلت لنفسي: هذا يحدث، بل وقريب من المنطق، فكلاهما من نفس المحافظة، فما الداعي لهذا الاهتمام الزائد؟

تطورت العلاقة سريعًا، وصرت و”صبحي” صديقين، لدرجة أنه دعاني في اليوم التالي إلى صالون شعري بمحافظة كفر الشيخ، وقبلت الدعوة. كنا في شهر رمضان، وأنا مدعو إلى الإفطار مع “صبحي” قبل الذهاب إلى الصالون، لكنني وصلت مبكرًا، ولم يكن هو مستعدًا لاستقبالي، فاتصلت بـ”هشام” الذي من المؤكد أنه كان مستغربًا –مثلي- من هذا المتطفل الذي يدعو نفسه إلى بيت شخص ليس مقربًا إلى هذه الدرجة. على أية حال رضخ “هشام” للمرة الثانية تحت حد سيف الحياء، ونزل لاستقبالي واصطحبني إلى منزله. كانت المدة التي قضيتها معه على قصرها، كفيلة بإذابة الكثير من الجليد، واكتشفنا الكثير من المشتركات بيننا غير كتابة الشعر.

ثم كان إفطاري مع “صبحي”، ومن ثم جلسة أكمل ثلاثيتها “هشام” بأحد المقاهي، إلى أن يحين موعد الصالون. المزاح هو الأداة المثلى لتمضية مثل هذه الأوقات، لكن رفيقيّ الغريبين كان لهما رأي آخر، كشف سر هذا الشغف. كان السر هو “قانون الجذب”.

فتح “هشام” جهاز الـ”لاب توب” وأخذ يتحدث مع “صبحي” عما انتهيا من تدوينه رقميا مما اتفقا على تسميته “أعمال بابا”، فاستفسرت بفضول لم أعهد نفسي عليه، ليوضحا لي أنها الأعمال الشعرية الكاملة لشيخ الشعراء العرب محمد محمد محمد الشهاوي!

هكذا إذن! فقد كنت أيها “الشهاوي” تطاردني كل هذه المدة!

قرأ كل منهما نصًا من “أعمال بابا”، ثم دعياني إلى أن ألقي منها نصا بصوتي، فلم أمانع، وأمسكت بالجهاز، وبدأت أقرأ مما وقعت عليه عيناي:

إلى أيمن: فاتحةِ الفرحِ وخاتَمتِه

 

هُنَا الأرضُ غانِيةٌ ترتدى ورَقَ البنكنوتْ

وها هو طفلى

             – بلا ثمنٍ للدواءِ-

                                 يَموتْ!

هنا الأرضُ تأخذُ زينـــ…

اختنق الصوت في حلقي، وانهمرت الدموع من مقلتيّ، وأصابتي ارتجافة بقدر ما أنهكتني، حافظت على إحساسي بالمكان الذي أخذ يدور من حولي، وأنا لا حول لي ولا قوة لأوقف ما يحدث. كنت في شبه غيبوبة أفقت منها على “هشام” و”صبحي” يربتان على كتفيّ، ويحملان الجهاز من فوق فخذيّ، ويحاولان -والوجوم والاستغراب على وجهيهما- أن يوقفا بكائي.

هدأت قليلاً، وقلت لنفسي بعد شربة ماء: لن أسمح لهذا الشخص أن يفقدني السيطرة على انفعالاتي بهذه الطريقة. كنت على وشك أن أعتذر عن عدم حضور الصالون، حتى لا أقابل الشهاوي الذي علمت لتوّي أنه سيكون حاضرًا فيه. لكنني تراجعت سريعًا، وتولّد داخلي –على العكس- شغف غير محدود لمقابلة هذا الرجل والاقتراب منه، ومصاحبته إذا أمكن، والسبب أن الصديقين حكيا لي كيف أنهما عانيا لإقناع “بابا الشهاوي” بإدراج هذه القصيدة التي أبكتني حد التشنج، في الأعمال الكاملة!

لم أكد أسأل نفسي عن سبب هذا التحول السريع الغريب، إلى حد الشك في أنني مصاب بالاضطراب النفسي، في موقفي من “الشهاوي”، حتى ترددت الإجابة في عقلي: كنت أرفض التقرب منه لاعتقادي أنني بذلك أرضخ لابتزاز عاطفيّ لم أكن أسمح له بالتغلب عليّ، والآن وقد علمت بأمر رفضه نشر هذه القصيدة تحديدًا، تبدى لي كم هذا الرجل عظيم بما يكفي ليحرص على ألا يبتزّ القراء عاطفيًا، بقصيدة يعلم أنها مبكية!

من فوري عرضت على الصديقين المساعدة في ما تبقى من الكتابة الرقمية لـ”أعمال بابا” –كما صرت بدوري أدعوه من وقتها- لكنهما قالا إنهم انتهوا منها بالفعل، فأحسست أنني حرمت نفسي من مجد كنت لأسعد به بيني وبين نفسي، لكن ذلك لحسن الحظ تحقق لاحقًا.

في الصالون، لم تتحول عيناي عن هذا العجوز، الذي اكتشفت عظمته منذ سويعات. ابتسامته حاضرة طوال الوقت وللجميع، حفاوته مكفولة لكل من يسلم عليه، والأهم أنه لم يكن يحبس –كشاعر عظيم- عبارات الإشادة التي يطلقها بصوت عالٍ، إذا أتى أحد الشعراء ببيت جميل من بين القصائد التي كان “الشهاوي” يستمع لها بإنصات واهتمام.

خفيف الظلّ، لا يتهكم إلا من نفسه، لا تمنعه مشيته المرتجفة بفعل العمر المتقدم، من توزيع نظراته وابتساماته ونكاته على الجميع، قبل أن يتجهم وجهه فجأة! ويطلب أن يختلي بنفسه، وقد فعل ذلك وسط زحام المدعوين إلى الصالون! فقط مدد جسده فوق أريكة ونزع سماعتين من أذنيه وخلع نظارته الطبية! وهكذا انفصل عن العالم على رغم الضجيج والأضواء.

في وقت لاحق، وبعد أن عرفني إليه “هشام” و”صبحي”، علمت أنه مصاب بأمراض عدة، لا يفعل تجاهها إلا التهكم من نفسه، فيقول “أصبحت عبارة عن شاسيه مثبت به قطع غيار، سماعتان للأذنين، وعدستان للعينين، وطاقم أسنان صناعية بدلاً من التي أسقطها الزمن، وعكاز يساعدني على البقاء واقفًا”.

تعبه المفاجئ في هذه الليلة حال دون التعرف إليه جيدًا، وإن كان فاجأني بتعليق ينم عن ذاكرة قوية، على قصيدتي التي ألقيتها في الأمسية.. هكذا إذن هذا الرجل لا يعنيه إلا الشعر.. هكذا إذن أحببته أكثر.

ترددت على الصالون أكثر من مرة، وتوطدت علاقتي مع “بابا الشهاوي”، ومع “هشام” و”صبحي”، وصرنا “إخوة في الشهاوي”، لم أكتفِ برؤيته مرة في الشهر، وأحس صديقاي بذلك، فكانا يدعواني إلى زيارة كفر الشيخ، ويذهبان بي إلى بيت “الشهاوي” في قرية “عين الحياة”، لا نفعل إلا قراءة الشعر، وإعداد الشاي. حتى في المرات التي كنا نزوره ونجده مريضًا، كنا نجد حرجًا من هاجس أننا نضايقه، فكان يقول بصوت واهن، وهو يشير إلينا بالاقتراب والجلوس إلى جواره في السرير “جولوا شعر.. جولوا شعر”، بهذه اللهجة الريفية التي لم يتخلّ عنها، على الرغم من سفره الكثير إلى القاهرة بل وإلى مدن كثيرة خارج مصر. كنا نقرأ الشعر فتدب فيه الحياة مرة أخرى، فلا تكاد تمر ساعة م الزمن، إلا ويكون اعتدل جالسًا وبدأ وصلات ذكرياته وإفاداته ونصائحه.. ونكاته.

لشهور وسنوات، ظل “الشهاوي” أيقونتي الفريدة، يشرفني بالمبيت في شقتي عندما يزور القاهرة لأي غرض، ولا سيما إذا كان السبب زيارته الشهرية لطبيب أمراض الجهاز الهضمي. كنا نحوّل صالة الانتظار في العيادة إلى ما يشبه المسرح، يتجمع المريدون يلقون الشعر ويغنون، ثم ننصرف إلى منزلي، حيث نكمل السهرة. ثم حين يرغب في النوم، ينهض للذهاب إلى حجرته، وينزع عن أذنيه السماعتين، ويلقي بآخر نكات الليلة: “لو احتجتوني اندهوا عليّا.. وابجوا جابلوني لو رديت عليكم!”.. فننفجر ضحكًا.

هذا الرجل العظيم، على الرغم من عظمته، فهو متواضع إلى حد يقتلني، فقد عاد إلى إبكائي ذات صباح، حين هاتفني كالعادة، ليقول لي بنبرة مترددة يشوبها الخجل.. نعم “الخجل”، إنه كتب قصيدة جديدة، ويحتاج إلى رأيي فيها ليعتمدها أو يمزقها! أي رجل أنت أيها “الشهاوي”! كنت أدلي له برأيي من بين دموعي، ولم يذهب التوتر من صوته ويؤكد لي ارتياحه، إلا بعد أن انتقدت بعض المناطق في القصيدة!

إلى متى ستظل تقتلني أيها الرجل؟ إن هذا الموقف هزني بشدة، عل الرغم من أن تواضعه ليس غريبًا على أي ممن يتعاملون معه، ولا سيما هؤلاء الذين زاروا بيته الصغير الذي يسكنه وحيدًا –وأنا منهم- في تلك البقعة النائية من محافظة كفر الشيخ.. عزبة “عين الحياة” حيث الخدمات المعيشية شبه منعدمة، فإذا دقت الساعة التاسعة مساء، لن تجد مواصلة تقلك إلى هناك، فكنا نحرص على الذهاب إليه نهارًا. نستقل الـ”توك توك” ليدخل بنا إلى العزبة من طرقات ملتوية بين الحقول، بعضها –ويا للعجب- ممهد بالإسفلت، الذي -من كثرة زياراتي- لاحظت أنه يحرك شيئًا بداخلي؛ إنه على الرغم من مكوناته الجامدة الصلبة، لم يقدر على منع زروع خضراء من أن تشق طريقها إلى الحياة من خلاله. إن هذا المنظر لهو معجزة، حتى لو كان على طريق يؤدي إلى “عين الحياة”.. ذلك المنظر أكمل الحالة التي خلقها “الشهاوي” بوجوده، فكانت قصيدتي التي كتبتها من وحيه، مهداة إليه:

كعكة اليتيم

 

“من أبو البوح؟”

قال اليتيمُ

وفي يده كعكة

نسي الوقت أحوالها

بعد أن أخبرته خطاهُ

بأن لدى الغيب ناسًا

سيألفهم

وسيأتنسون به،

سار يلقم كعكته الفقراءَ

ويمنح ألفته الغرباءَ

ودار على الليل في كل غانية،

لم يجد في الطريقِ

سوى الخلقِ

مستوحدينَ

يقول لهم:

أطعموني أحاديثكم

وسأجعلكم تعبرون على جسدي

للسلامِ

دعوني أسامر أطفالكم

علّني لا أعودُ

يبعثرني العمرُ في الطرقاتِ

مثال الغرابةِ.

 

كان لدى الناسِ

في بلدة الصمتِ،

أفئدة من ضجيجٍ

وأخيلةٌ من فراغِ

وأفواههم من نحاسٍ

وآذانهم نبتت في أصابعهم

ولهم أعينٌ لا يرون بها.

غير أن اليتيمَ

يرى حكمة في الحديثِ،

بصير بعين الحياةِ

يوزع أحرفه في المسافاتِ

يخضرّ إسفلتها،

ويناجي النساءَ

اللواتي جبلن على الجدبِ

يلعق أثداءهنَّ

ليستنطق الحلماتِ

يصوّب أعينه

في صدور الرجالِ

التي خشّبتها الحروبُ

ويثقَبها بأظافرهِ

فتسيل الحكايات منها

ويسكر من بؤسها.

 

لليتيمِ

-الذي لعنته السماء بكعكتها-

شهوة الصمتِ،

لكن من صنعته الحروفُ

على عينها

لا يطيق الحياة وحيدًا،

فقدّرَ

أنْ ليس ثمة من يُخرج البوحَ

من لغتي

غير صحبي،

الذين رأوا آية في يمينيَ،

إذ كنت أدخلها في فؤادي وأنزعها

فإذا هي بيضاء من غير سوءٍ

وأزرعها في المقاهي

فتنبت تبغًا وشايًا

وأرغفة للجياعِ،

وأنثرها في المساءِ

نجومًا ونايًا

وأحكي لهم:

(قال لي البحر كن واحدًا

كي تعيش طويلاً

ولا تترقب قدوم المراكب بالناسِ،

لكنني

كنت أغرس في الماء عظمي

وأصنع من جلدتي خيمةً

للذين سيأتونني

وأُعدّ لهم شايهم

من دمي).

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
شارك