المنطقة الحرة

رسائل الغياب (7).. ادع لي

نسمة تليمة حبيبي

حين كنت أجمع تلك الأشياء التي جمعتنا سويا، وأفرغ محتويات منزل عشنا فيه عامين وشهرين فقط، شهد ما لم يمكن لكثيرين أن يحيوه في عشرين عاما، حينها وجدت نفسى أجمع أحلامنا في كرتونة، يصاحبني في جمعها صوتك الذى يسكن الروح “ماما إنتى حاطة فين ألبوم الفرح؟” إيه رأيك لما تخلّصي الرواية الغريبة بتاعتك دى، تقرى ملاك الحقيقة المطلقة؟ نسمة فين الشراب البنّي؟ أنا جبت دوا عظيم للنمل هحطّه على رخامة الحمام عشان البنت”.

 احتمل المشهد، كل ما قد يهيئه لك خيالك من بكاء هستيري لحظات ومن حزن وتوقف مرات كثيرة عن جمع أهم أحلامي في تلك الكراتين، احتمل الموقف كل التساؤلات التي من الممكن أن يطرحها عقل غائب مع من غابوا، وقلب معتصر، وجدتني دون أن أدري أحدّثك، أتخيل لهفتي على بيتنا حين قمت بتنظيفه لأول مرة قبل الزفاف، فرحتي كل لحظة انتظرتك فيها بداخله، حين تفتح الباب وأجري لأحتضنك بقوة وكأنني أزرعك في ضلوعي وأنت تردد “إنتي بتعرفي تحضني الناس”.

 أتذكر قول ذلك العراف الغريب الذى وجدني حين كنت في زيارة متهورة لك بمفردي، وأنا لا أفكّر إلا في الدموع، حين أخبرني أنك ستظل معي، واندهش لبكائي الشديد أمام قبرك، راجعت كلماته وشعرت بوقعها في قلبي، حين وجدت تلك الرسائل التي كنت تكتبها لي بين متعلقات في منزلنا، وجدت كل ما كتبته لي وأنا في حالة من الاندهاش وعدم التصديق، في حالة يرثى لها، متى تركت لي هذه الكتابات؟ وكيف علمت باحتياجي الشديد لها، كيف رسمت المشهد؟!

زوجة تلملم متعلقات بيتها الذي رحل عنه الزوج، وتبكيه، فتجد في الأدراج وبين الملابس كل تلك الرسائل حاملة كل تلك المعاني الجميلة، خاصة تلك الورقة التي كتبت فيها “هروح لحبيبتي المكان اللي هي فيه”، من أخبرك بما سيحدث؟ وهل تراني الآن وأنا أعثر عليها فأبتسم وأبكي في نفس الوقت، وابنة عمتك تبكي إلى جواري من؟

هاني..

انا ممتنة لتلك اللحظات حتى وإن كانت مؤلمة، فقد منحتني من وقتها قوة عشت بها شهورا وشهورا، وعدت لأقف على قدمي بسببها، أضحك في نفسى وأنا أسمع من يراك بعيدا، وأراك قريبا، أنت معي بالفعل، وليس حقيقيا أنك رحلت للأبد، والدليل كل تلك الإشارات والرسائل التي ترسلها لحبيبتك.

أتعامل الآن فقط مع صورة جديدة لك ليس إلا، ألأنا مطمئنة لأن ما بيننا “غيب”، وهل هناك أمان أكثر من ذلك؟

فقط أنت الآن متحرّر من قيود الواقع المزعج، ومنطلق حولنا بحرية، عشت تبحث عنها وتهتف باسمها، أنت الآن تراني ولا أراك، لكن في الحقيقة أنا أبكى كثيرا لأنني لا أراك، كما أنك بعد أن عوّدتني الحضور، أصبح بعيدا. اقتربت منى فقط في تلك اللحظات المغلّفة بالقلق، حين أخذتني الطبيبة لإجراء رسم قلب، ووضعت في يدي وقدمي وبعض أجزاء جسمي مشابك بلاستيكية، كي تتأكد من نبض القلب الحزين وسيره، وحين دخلت هذا الشهر مرة ثانية لإجراء أشعة على بعض المناطق التي حملت أوراما، حزنت هي الأخرى على غيابك، جميعهم طمأنوني “سأظل مع فريدة وقتا آخر” وكل شيء بإذن الله، وكل ما أعانيه محض حزن عميق وفزع، والعلاج مهدئات.

اقتربتَ منى لحظتها، رأيتك جيدا حين تمددت على ذلك السرير في الغرفة الباردة للغاية، وكأن روحي لامستك في عالمك البعيد، أو كأنك ربتَ كتفي فهدأت!

أيضا حين دخلت إلى من رحلوا أخيرا عن عالمنا، ليلحقوا بك، وكانت حماة أخي من ضمنهم، أنا التي كنت أخشى المرور من مكان شهد رحيلا، أصبحت أبحث عمن يسافرون إليك، وأطلب إلقاء نظرة أخيرة عليهم،  وأحدثهم وأحمّلهم أمانة السلام عليك، فهل التقيتم؟

الجمعة الماضية كنا في منزل أختك، وقمت للبحث عن “ببرونة” مياه فريدة، ووجدتني جون وعى أغمض عيني وأتخبط في حيطان الطرقة المؤدية للمطبخ، وأفتح كل حواسي للقائك، لا أدري ما الذي أقنعني أنك الآن معي، هنا، ويمكنني ملامستك، حدث ذلك بعد أن روت لي صديقتي أنني حين أشم رائحتك بشكل مفاجئ، يعني هذا أنني مررت من روحك، مررت من خلالك، يا الله، ليتني أمرّ بك أو تمرّ بي.

ـدخل في حالات اكتئاب مفاجئ، رغم حالة السلام التي تحاصرني أحيانا، حين أتذكّر أنني سأحرم جلوسك جانبي في رحلتي لعالمك الجديد، أخشى المرض، فقط لأنني لا أثق في قدرة من حولي على احتمالي، وحيائي من ضعفي.

أكتب لك كثيرا، فهل قرأت ما أكتبه؟ أعجبتني تلك الجملة التي كتبتها زوجة طه حسين، حين ارتأت أنه لا ساعي بريد للسماء، يبعث بما نكتب لكم هناك، لكنني كما علمتني التجربة أصعد تلك الدرجة في السلم، دون علم بالدرجة التالية، أنا مؤمنة أن الله أرحم من أن يمنع عنك رسائلي.

هل تتذكر الكافيه الذى شهد على قصتنا؟

أصبح الباب الرئيسي للدخول إليه، هو نفس الباب الذي طالما أحببته، ولم نكن ندخل إلا منه، وإن تأخر أحدنا على الآخر. نسيت أن أخبرك أيضا أننى منذ شهرين سابقين وطريقي إلى روضة فريدة، مليء بتلك النباتات التي زرعتها لك، لتصاحبك في مستقرّك الأخير “صبّار الجوافة”، الذي اتفقنا على زراعته في بلكونة منزلنا، ولم يمهلنا القدر، أجده الآن بشكل غريب في كل الشوارع المؤدية إلى عملي الجديد، وروضة ابنتنا، في كل خطوة تقريبا، وهو ما يشعرني بالاندهاش، إذ كيف أصبح هو النبات الرسمي في كل تلك الشوارع، حتى إنني كلما وقعت عليه عيناي، قرأت لك الفاتحة.. هي إشارة كما يخبرني حدسي.. أنت حولي تحيط بي، فشكرًا.

هل يمكنني أن اطلب منك طلبا، علك ترتاح قليلا من “زنّي”، ومطالبتي لك بالوجود معي دائما؟

هل يمكن أن تدعو لي؟

قل ذلك الدعاء من أجلي ومن أجل والدتك  “اللهم أنزل صبرك وبردك على من ابتليت واخترت أحباءهم عندك.

والطلب الأخير، اطلب الإذن ممن أنت في علمه لأراك قليلا.. أخبره أنني أحتاج رؤيتك ولو لدقائق معدودة رأي العين، أو رأى القلب، هل أغضبتهم حين أعلنت زيارتك الدائمة لي؟

لن أفعل ذلك مرة أخرى، لكن تعال لأرك.. انصحني كما كنت تفعل كيف أعامل الناس، ولمن أطمئن؟

هل أخبرهم بما أشعر به أولا بأول؟

 أم أن أرواحهم لا تحتمل أي شفافية أو صدقا، حتى لا أصبح أمامهم “مُملة”؟

أعتقد أن من يصدقك عليه رؤيتك جيدا، وحتى الآن لم ينجح أحد في رؤيتي كما نجحت أنت، قل لي: هل أمنحهم تجربتي، وأخبرهم أن الأحزان قد تحتمل صورا مزعجة أكبر من البكاء، إلا أنها لا تكن مرئية، فهي تخدش الروح ومن منا يرى الروح؟

أم ينطبق عليهم كما قرأت لأحد الجادين “ليرحم الله القلوب التي لا تعرف التجربة”؟

محبتي

اقرأ أيضًا

رسائل الغياب (6)

رسائل الغياب (5)

 

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى