المنطقة الحرة

سقراط يتحدث إليكم!

12241794_550360491780632_2192884633355911294_n

أقف على المقعد الخشبي المتهالك المميز للمدارس الحكومية، أشب على أطراف أصابعي وأمد يدي الممسكة بقطعة الطبشور البيضاء الرديئة، التي تتناثر ذراتها على وجهي وشعري وملابسي، وأكتب على الحائط الخشن الرمادي بخط كبير واضح:

هل تذكرون غريبا عاده شجن   من ذكركم وجفا أجفانه الوسنُ

أنتهي من الكتابة على عرض الحائط في فصلي الدراسي بالمدرسة الثانوية، أتراجع قليلاً للوراء محاذرة أن أسقط من فوق المقعد الذي يئن أسفلي، وأنظر بإعجاب لبيت شعر ابن زيدون، الذي كان مقررًا علينا في الصف الثاني الثانوي، يعجبني شكله على الحائط، ويعجبني خطي الذي بدا جميلاً رغم أنه في العادة لا يُقرأ، فأقترب من جديد، وأخرج سهمين من كلمتي “جفا” و”أجفانه” وأكتب أسفلهما: ” جناس ناقص”.

ظل هذا البيت ثابتاً طيلة السنة الدراسية، حتى محاه المراقبون في امتحانات نهاية العام بعد اعتباره “برشاما” صريحا مكتوبا على حائط فصل، تحوّل إلى لجنة لامتحانات الثانوية العامة، ويبدو أنهم كانوا محقّين، بعد أن جاء سؤالا بالفعل في الامتحان، لكن المؤكد أن فصل 2-9 في مدرسة طنطا الثانوية بنات، قد أجاب بأكمله عن هذا السؤال إجابة صحيحة.

كنت أحب هذه القصيدة، أحب ابن زيدون ورقته في التعبير عن شعوره بالغربة بعيدا عن ولادة بنت المستكفي حبيبته، وأحبها أكثر وهي تخاطبه شعرًا، فتقول:

أغارُ عليكَ من عيني ومني    ومنكَ، ومن زمانكَ والمكانِ

ولو أني خَبَـأتُكَ في عُيـوني   إلى يوم القيامة مـا كــــفاني

تعجبني حالة العشق الرقيق من جانبه، والغيرة القوية من جانبها، ويعجبني أكثر حديثهما الشعري المشتعل، وقصتهما العاطفية الغريبة.

ربما كانت هذه هي المرة الأولى التي أكتشف فيها أنني أحب اللغة العربية فعلاً، أحبها وأحب وقعها، ورنينها، وأحب مجازاتها الناقصة والكاملة، وتشبيهاتها الرقيقة وأفقها الواسع.

كنت أصمم على الحديث بالعربية مع الأصدقاء المصممين على إدخال مصطلحات إنجليزية إلى الحديث، رغم أنها غير ضرورية أبدًا، أرى وقع كلمة “مستحيل” أفضل كثيرًا من ” No Way”، وكلمة ” الله” مريحة أكثر عن كلمة “WOW”.

أذكر جيدًا القصة التي ترويها أمّي عني، عندما خضعت لعملية إزالة الزائدة، لأفيق من البنج وأنا أردد جملة “إني أرتجف”، وقتها انفجر الموجودون داخل الغرفة ضحكًا، وصمموا على إطلاق اسم “سقراط” عليّ!

لا أعرف ما علاقة الفيلسوف اليوناني سقراط بحبّي للتحدث بالعربية، هذه “الفضيحة” التي ظهرت عندما استسلمت لسطوة المخدر، لكنهم وجدوه مناسبًا للغاية، في الحقيقة، هو لا يزال مناسبًا في نظرهم، لدرجة مناداتي به في الأماكن العامة أمام الجميع حتى اليوم. الأمر الذي –في الحقيقة-يسعدني للغاية.

 نورا ناجي

صحفية وروائية

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى