المنطقة الحرة

سينما عمر طاهر

تدقيق لغوي: جهاد السنيطي

الفيلم الجيد يصنعه أولًا، وقبل أي شيء آخر: النص الجيد، حتى لو نُفِّذ بإمكانيات بسيطة، في حين قد تتوافر لفيلم كل العناصر الأخرى الجيدة من إخراج ونجوم وإنتاج كبير، لكنه ينمحي من ذهنك بمجرد الانتهاء من مشاهدته نظرًا إلى ضعف النص، أو قد تفشل في استكمال مشاهدته من الأساس.

هناك من يتخصص في الكتابة للسينما منذ البداية، وهناك من يدخل إلى هذا العالم من بوابة الصحافة والكتب المنشورة التي تلاقي نجاحًا، فتفتح له السينما أبوابها.

والكاتب الكبير عمر طاهر من الفئة الثانية، وعلى الرغم من أن تجاربه السينمائية حتى الآن تُعد على أصابع اليد الواحدة، فإن جميعها متميزة، قريبة من القلب وراسخة في الذهن، وكان نصه الجيد من أهم أسباب نجاحها.

لم تتحول كتب عمر طاهر إلى أفلام، ربما نظرًا إلى طبيعة معظمها بوصفها كتبًا ساخرة وليست روايات، لكنه كتب نصوصًا خصيصًا لأفلامه، وكانت الانطلاقة قوية جدًّا مع فيلم يُعدُّ -من وجهة نظري- من أجمل وأهم الأفلام في العشرين سنة الأخيرة، وهو (طير إنت) من إنتاج عام 2009.

فيلم لا تمل أبدًا من مشاهدته مهما تكررت إذاعته، وهو الفيلم الذي صنع البداية الحقيقية لنجومية الفنان أحمد مكي ووضع دنيا سمير غانم على الطريق الصحيح لقلوب الجماهير، وعلى الرغم من أنه مقتبس عن فيلم أمريكي كما نُبِّهَ في بدايته، فإنك لن تشعر بذلك إطلاقًا بسبب السيناريو المكتوب بحرفية والتمصير الذي حدث بنجاح كبير..

 أفلام عديدة في فيلم واحد، وشخصيات ومواقف متنوعة برع في صياغتها الكاتب الموهوب، ثم تضافرت معها بعد ذلك العناصر الأخرى من أداء وإخراج وإنتاج وديكور، لتخرج السيمفونية الكوميدية الجميلة التي لا نمل من سماعها مرارًا وتكرارًا.

بعد ابتعاد عن السينما مدة 6 سنوات، على الرغم من النجاح الكبير لفيلمه الأول، عاد عمر طاهر بفيلمين في عام واحد -2015- والعامل المشترك بينهما هو الكوميديا الراقية والأحداث السريعة الجذابة، فكان (كابتن مصر) الذي حمل العنوان نفسه لأحد الكتب الناجحة للمؤلف، مع اختلاف المضمون، وكان (يوم مالوش لازمة).

في (كابتن مصر) أظهر عمر طاهر جزءًا من روحه وشخصيته العاشقة لكرة القدم، وقدم فيلمًا رياضيًّا كوميديًّا لطيفًا، يعد تجسيدًا للمثل الشعبي الشهير (يموت الزمار وصوابعه بتلعب)، فالبطل لاعب كرة قدم تنقلب حياته فجأة بسبب حادث يمر به، وينتهي به الحال سجينًا لكنه لا ييأس ولا يتنازل عن كرة القدم، فيشكل فريقًا من زملائه في السجن ليستمر في ممارسة اللعبة التي يعشقها.

الفيلم ينضم إلى عدد قليل من التجارب في السينما المصرية التي ركزت على حياة لاعب كرة قدم، ويُعدُّ بمنزلة تميمة الحظ وبداية الانطلاقة الحقيقية لمحمد إمام بطلًا أول؛ فلم يَعُد بعده إلى الأدوار الثانية، بل أخذ خطوات أخرى موفقة.

أما (يوم مالوش لازمة)، فعلى الرغم من نظرته التشاؤمية للزواج، فقد وفّر للمشاهد وجبة كوميدية ساخرة دسمة، أعدّها عمر طاهر بمهارة كعادته، وقدمها محمد هنيدي وروبي وباقي طاقم العمل للمشاهدين بمنتهى الاحترافية.. فيلم تدور أحداثه كلها في يوم واحد متلاحق الأحداث، والمواقف المليئة بسوء الحظ للبطل، لكنها تفجر الضحكات في الوقت نفسه..

اعتمد نص الفيلم على طريقة البساطة المدهشة، وتوقفتُ طويلًا أمام شخصية (بوسي) وانبهرت بتركيبتها البسيطة الواضحة شديدة التعقيد في الوقت ذاته، وعلى الرغم من جنونها الواضح، وكونها كالآلة المبرمجة، أو “كالدبة التي قتلت صاحبها”، تعاطفت جدًّا مع إخلاصها وإصرارها على تحقيق هدفها مهما كان الثمن ومهما كانت التضحيات! وكلما تذكرت عبارتها (بوسي زعلانة) أدخل في نوبة ضحك هيستيرية!

وبعد فيلمين دفعة واحدة في العام نفسه، عاد عمر طاهر للابتعاد عن الشاشة الكبيرة سنوات، لكن سينهي هذا الانقطاع قريبًا إن شاء الله مع خروج فيلمه الجديد إلى النور (كينج سايز) الذي سيعيد الثنائي عمر طاهر وهنيدي مجددًا لنا، وأثق أنهما سيقدمان معًا للمرة الثانية عملًا متميزًا للجمهور.

الكاتبة والمترجمة علا سمير الشربيني


اقرأ أيضًا:

الوسوم
أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق