المنطقة الحرة

عازفة الدرج

نها سليمان

 تهبط  درج السلم على مهل، وكأنها إصبع رشيقة تعزف لحنا كونيا لا يسمعه سوى المنصتين لصوت الرب في علاه، تعزف بجسدها ما يشبه بُحيرة بجع تشايكوفسكي، تخترق الظلام كسهم نور وحب، أطلقه كيوبيد علّه يصيب الموجودات، فتُطفيء النيران، وتخمد البراكين القلبية السوداء، وتزلزل الأجساد برعشة الذّروة، وإعصار الآهات.

من مثلها؟!

وهى ترفع قدما وتحطّ  أخرى كحمامات بيضاء تستقبلها الأرض الصاعدة إليها. نعم، ليست هي من تهبط،  بل تصعد الأرض إليها، فليس عليها غيرأن تُغيّر موضعها في مسافاتها المحدودة الضيقة البخيلة عليها. لا عجب أن ماجت نفوس بمدّ، أو انحصرتْ أخرى فى  جزر، فلجاذبيتها قوانين خاصة  كالمعجزات.

تتوقف لحظات وتعاود العزف على الدرج، يرسم جسدها لوحات تختلط بها الألوان. بكل الجهات ترقص، رقصة مجنونة لا تأسر إلا العاقلين.

تقف فى المنتصف تمسح يديها بجانبي جونلتها القصيرة، وتلملم خصلات قد فرّت من عُقدة شعرها لتُقبِّل الفراغ الممتلىء بروحها ورياحها الشافية.

تتنفس بصعوبة، تحاصر الهواء وتعبّه بيديها، تزاحمه على وجهها. هذا الوجه الزاهد في كل شيء إلا الجمال والحزن. تتباطأ رقصتها، متمايلة على غير رضاها، تتهادى بخفة منحنية للأمام، فتفرّ خصلات الشعر السياح ثانية، فجأة تنهض برأسها يليه جسدها ناهضا في دلال، وعلى ثغرها بسمة انتصار وألم.

يبدأ جسدها بالعزف مجددًا. في أنصاف دوائر تدور، وهي في منتصف الدرج تطلق يديها للريح، فترتفع أطراف جونلتها لتكشف عن فخذيها، وأطراف أصابع قدميها تلثم الحصى، القش، العشب، معانقةً في نقلاتها حبات الغبار المتراكمة . يا لسعادتهم، آه لو ينطقون!

تحوم في الأجواء طيور سوداء برهة وتختفي، بينما تترنح هي في كبرياء. لم تبرح موضعها المركزيّ معتمدة على نفسها حتى وصلت إلى أرضية الدرج، تلمس يدها عشبة خضراءَ رطبة تكشفها الأضواء لها؛ فتلهبها بحماس وقوة، تنفخ العشبة من روحها فيها مزيدا من الحياة وحب البقاء.

تتلمس عازفة الدرج عقدة شعرها المخنوقة، فتطلقها مع صوت يصرخ، ينزع معه أسرارا من أقدم مقبرة بالتاريخ. صرخات تخشع لها أفئدة الطائفين حول تمثال أول إنسان سقط ها هنا على الأرض، وتدمع لها قلوب كائنات تشعر، ولكن لا تفقه لقولها تأويلا.

وفي إصرار، تنهض الجميلة وتعاود العزف راقصةً، وأزرار قميصها الفضىّ تهرب من عروات ضاقت بهنّ. تنفتح  ثلاثة من أعلى، وتفتح هى من أسفله اثنين، فلا يبقى سوى واحد فقط مغلق فوق نهديها. تعود للخلف صاعدةً إلى القمة، فيوقفها ثقل أصاب قدميها، تتحامل، تحاول، ولكن الثّقل أقوى من رغبتها، وقدرتها. تبكي، ترقص، تنظر إلى صفحة السماء، فربما تسترشد بإحدى النجمات، تقلب وجهها، تطلب يد العون وتبكى، لانقطاع المدد.

ترقص في عنف، كأنها تدفع عنها وحوشا وذئابا، فانعكاس ظلٍّ ضخْمٍ يتْبعها، تعيد النظر في كل اتجاه وكأنها تحصي أبعاد الكون، تُطأطئ رأسها باكيةً في ألم وحُرقة، تحتضن دموعها في كفيها، وتمسح بها على قلبها، على ساقيها، على رقبتها ونهديها، ويغالبها جسدها أن تجلس محلها، فتغالبه بشدة ورجاء، مستعينة باللاشيء؛ فتغلبه وتصحبه لتعاود الوقوف، الرقص، الدوران. وفي فرحة المنتصر على الجسد تصرخ، ترقص بخفة ورشاقة أكثر.

 يعاودها الإعياء؛ فتبكي، تلتقط غصنا صبيا أخضر ليّنًا وجدته ملقيًا، لتربطه على خاصرتها، وتلتقط  بعض العشب الأخضر وتضعه ما بين خصلات شعرها الثائر، السائل كشلال ذهبي، وكأنها تجمع تمائم وتعاويذ لا يحيط بها علما إلا هي.

بعد الشروق يحتشد الناس، لرؤية عازفة الدرج وهي تئنّ، وتختلط الأصوات بأنّاتها. يتسرب وشاح رقيق من نور النهار يُزف مصحوبا بزقزقة العصافير يخفف مرارة أنّاتها، يكسوها، فتزداد إشراقا وبهاء، ولكن الأشياء تختلط عليها، ترى الطيور السوداء، فتنقبض لرؤيتها، ثم تبتسم لها وكأنها ضوء يحاكي الأضواء، أو شبحا يحاكي الأشباح، أو ترى ما لا يراه المحتشدون في الأفق اللانهائي  الممتدّ أمامها.

ترتفع الأصوات، ودقات طبول لا مرئية، وتصفيق جموع أغراب.

تختنق عازفة الدرج  بزحام حشود المارة، ريثما تفتح عينيها عليهم، لتناشد أحد القادمين خلف الجموع بلا صوت مسموع، تشير له بيدها اليسرى وتشير على فمها بيدها اليمنى، يصعد لها مخترقا –كرصاصة- قلب الزحام، وبلا تفكير أو تردد يقبّلها، فترتفع الأصوات، ليرميها بعضهم بزهور، والبعض الآخر بالأحجار.

تطول القبلة بينهما، تضغط يده على نهديها، فيعاود التقبيل ثانية، فتترنح ما بين يديه، تسافر عيناها في الغياب بنظرات مبعثرة مشتتة، وتهرب من جانبيهما عبرتان تترقران على جانبي وجهها الشهي. تعانق يده اليسرى يدها اليمنى، تعتصرها، تتخلّى عنه أصابعها، تتخلى عنه يدها لتسقط جوار جسدها. تتوقف دقات الطبول، تزداد حدة التصفيق وتكثر أطياف الأغراب.

يحاول أن ينطق اسمها، فيقف صوته خجلا، هو لا يعرفها، يبكي وكأنّ بكاءه ندم أو اعتذار، تنزعه من أحضان العازفة الراقصة طيور نَائِحَةً. يبكي ويقبل شفتيها، يحضنها، آملا أن تختلج آهاتها، دموعها، جسدها بين يديه كبادئ أمرهما، لم يحدث، فقد ابتلعها الهدوء، الصمت والسلام. عقد شعرها وكبّل أزار قميصها في عراها.

 تتفرق من حولهما حشود، وتأتي حشود وأشعة الشمس تتوهج أكثر، فلا تنطفئ برودة جسدها، ولا ترحم لهيب قلبه. يهبط بها درج السلم يكللها الصمت بكماله وجلاله. يضعها فوق سرير يحمله اثنان، ويضع حقيبتها معها، تلك التي كانت ملقاة على درج السلم خلفها، تركها تحت قدميها وغطاها بملاءة بيضاء.

 فجأة غامت السماء، وأمطرت مطرا خفيفا غسل العشب على الدرج، وأسكت صوت طيور السماء النائحة، وحطّ الحمام بأرض المكان. ومرقت بها السيارة مفرقة الحشود المتأخرة غير عابئة، وتوجه هو إلى جدول ماء يجري، فغسل وجهه وسأل الصدفة أن تمنحه النسيان.

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى