المنطقة الحرة

عمر طاهر.. حكيم روحاني حضرتك؟

“أن تؤلف كتابًا، أن يقتنيه غريب، في مدينة غريبة، أن يقرأه ليلًا. أن يختلج قلبه لسطر يشبه حياته. ذلك هو مجد الكتابة” “يوسف إدريس”. هذه تميمتي في القراءة، الجملة الأقرب إلى قلبي، اقرأها، ولا أمل، أتذكّر عدد المرات التي اختلج فيها صدري لقراءة أسطر تشبه حياتي، بل كُتب كاملة.

فالكتب، والأفلام إرثي في الحياة الذي لم يتركه لي أبي بل تركه لي العالم.

أتذكر حينما أنهيت خِطبتي في العام ٢٠١٣ بعد عامين من الحب “اللي ولع في الذرة عن آخرها”، كان ملاذي الوحيد للنجاة الاحتماء بأشيائي وعاداتي المفضلة.

كان السؤال الأهم حينئذ ما الذي أستطيع أن أشاهده يقذف بي إلى الجانب الآخر من النهر، من الحياة؟!

حتى يتعافى ألمي، فأتعافى أنا..

كانت وقتها معظم المناقشات، والكتب، والبرامج، والأفلام، إما تتحدث عن الثورة، وإما العلاقات، ربما الجرائم.. للأسف لم أجد ضالتي!

حتى ظهر ذلك البرنامج أمامي قبل الإفطار في يوم رمضاني شاق، وكان هو السبيل للنجاة، كان البرنامج يحمل اسمًا مميزًا “اتجنن” مع عمر طاهر!

“أتجنن ماشي بس ازّاي بقى هاه”

كانت فكرة بالنسبة لي في منتهى النبل، برنامج مكوّن من ٧ حلقات، كل واحدة منها تعتمد على عمل إنساني عظيم، ليست مساعدات مادية، بل مساعدات معنوية، كل حلقة في اتجاه مختلف، فقد قرر في حلقة طبع خريطة لشوارع المعادي بأرقامها وتوزيعها على الأفراد في الشارع الذين يتحيرون داخل هذه المنطقة.

 مرة أخرى طبع ورقة لشكر كل من يستحق الشكر كالرجل الذي يجمع القمامة وتركها له على باب شقته.

وفي حلقة أخرى أسعد أطفال قرية بأكملها بتحضير يوم رياضي كامل لهم، وخصص يومًا كاملًا لمساعدة زوجته، كتب خطابات وأرسلها إلى أشخاص غير معروفين ممن يحبون المراسلة، قدّم حلقة عن تشجيع كل الأشخاص في الشارع وإسعادهم بكلمات جميلة، وغيرها من الأفكار التي جعلتني أخرج من حالة الحزن الصعبة التي كنت أمرّ بها، لأقفز بالفعل إلى الجانب الآخر من النهر، وأفكر فيمن حولي، من الأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم المعنوي، كلنا نحتاج إليه، لا أستثني منّا أحدًا “مش بتاعة أحمد زكي”.

في اليوم التالي ذهبت إلى عملي وأنا أفكر في كيفية إسعاد من حولي، وضعت ملصقات لكل من يعمل في الشركة باسمه وثبتها على أبواب المكاتب وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم، أشكرهم فيها على كل شيء، وأحاول تشجيعهم، لن يتخيل أي شخص كم مثلت هذه الأوراق لهم، حتى إني تخيلت أن بعضهم ضمها إلى صدره، وبعضهم قبّلها، وبعضهم أخذ يعمل وهو ينظر إليها طوال اليوم.

لم يكن يومًا عاديًا، بل كان استثنائيًا، كما صاحب الفكرة.

عمر طاهر الكاتب

أما عمر طاهر الكاتب فيتسم بالبساطة والصدق، وينعكس هذا التأثير على كتابته التي تتسم بالشيء نفسه، عمر طاهر السهل الممتنع، لم ينتابني الشغف لمتابعة مقالات كمقالاته، التي دائمًا يلعب فيها لعبة الطيب والشرير، يضع عنوانًا وتبدأ القراءة في هذا العنوان، ثم فجأة تجد نفسك أمام موضوع مختلف تمامًا عن المقدمة، بل أكثر تشويقًا، كيف يفعل بنا هذا كل مرة؟!

الإجابة: لا أعلم، لكني أنتظر تلك المقالات بفارغ الصبر، وأغفر له خداعي في كل مرة بسبب جمال الأفكار والأسلوب.

إذاعة الأغاني

مما شكل فارقًا لدي من كتابات عمر طاهر “إذاعة الأغاني”، هذا الكتاب “فلتة” وإرث حقيقي، راديو مرئي، كيف تصاعدت حرفية الكاتب ليصنع لكل أغنية قصة ومشهدًا رائعًا ينطبعان في ذاكرتك إلى هذا الحد!

أتذكر جيدًا أني بعد قراءة هذا الكتاب صنعت قائمة أغاني على “الساوند كلاود” تجمع كل الأغاني التي تحدث عنها عمر داخل كتابه، وكلما سمعت إحداها ظهر أمامي المشهد الخاص بها داخل الكتاب. وعلى رأسهم أغنية “فاكراك” لنجاة علي.

 الكاتبة رانا عمر


اقرأ أيضًا:

شخصية مصر

الإمساك بالزمن

شكلها ما باظتش!

كيف دلّني عمر طاهر على الطريق

الوسوم
أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق