المنطقة الحرة

عمر طاهر.. بمحض الصدفة!

تدقيق: جهاد السنيطي

في الشتاء قبل الماضي، كانت حياتي أفضل بلا كورونا وبلا حظر تجول، وكنت أرتب لرحلة إلى مدينة أسوان لصناعة ذكريات جديدة، كانت المرة الأولى في حياتي لزيارة هذه المدينة البديعة، وكنت أتوق لغمر بصري بمشهد النيل من كل اتجاه، وأحلم بعبور الضفاف بقوارب صغيرة أستمع إلى صوت قرقعة الأشرعة وبقبقة المياه مع خلفية موسيقى آسرة من السلم الخماسي، لذا أفرطت في الاحتفاء بتفاصيل الرحلة كأنها عبادة، وقررت صنع طقوسي بدءًا من اختياري الذهاب بقطار النوم، وحتى قائمة الموسيقى والأفلام التي وضعتها ضمن تسالي الرحلة التي ستمتد إلى ما يزيد على 13 ساعة.

لم أنس كذلك بعض الحلوى، والشوكولاتة، والمخبوزات، وروتين العناية بالبشرة، وعطري المفضل، ونظارتي الشمسية، كانت حقيبتي مليئة بالأغراض وكنت قد اشتريت بعض الكتب أيضًا، حتى إن لم يعجبني كتاب انتقلت للآخر، لكن لأن حقيبتي كانت قد امتلأت عن آخرها وأصبح وزنها ثقيلًا، قررت الاستغناء واختيار كتاب واحد، فوقع الاختيار على رواية “كحل وحبهان” لعمر طاهر “بمحض الصدفة”!

في الحقيقة لم يكن هناك مبرر أو توصية لاختيار هذه الرواية، كنت قد اشتريتها من معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2019 “بمحض الصدفة”، ولم يرشحها أحد لي، ولم أقرأ أي عرض عنها، ولكني أعرف جيدًا كاتبها من قراءاتي السابقة، ومن لقائي الوحيد به بحكم عملي الصحفي.

تذكرت ابتسامة عمر طاهر وترحيبه حين التقيت به في حفل توقيع كتابه “الكلاب لا تأكل الشيكولاتة” شتاء عام 2013 في مكتبة الشروق بالزمالك، كان ذهابي إلى هذا الحفل “بمحض الصدفة”، أذكر أنني ذهبت سعيدة ليس هناك سبب محدد ربما لأنني أحب نزهات الزمالك والتجول في شوارعها، وإن كانت “خروجة” في الزمالك ليست سببًا قويًّا لتذكر هذا الحفل قبل 7 سنوات، على أي حال هناك بعض الصور والذكريات التي لا تفارقنا لسبب ما غير معروف!

  في ذلك اليوم كنت مكلّفة من الجريدة التي أعمل فيها بتغطية حفل توقيع هذا الكتاب، فأغراني موضوعه واشتريته وحصلت على توقيع من الكاتب أيضًا، ومن هنا بدأت التعرف إليه أعمق بقراءة حكاياته الساحرة لأكتشف حكّاءً جديدًا بالنسبة لي، ومع كل كتاب أو أغنية يكتبها يصطحبني عمر طاهر في نزهة ودردشة أجمل من نزهة “الزمالك”، ورغم مأننا لسنا صديقين فقد برع في الدخول إلى خاطري بمجرد كتابة بسيطة خفيفة الظل رائقة تسللت إلى ذاتي بنعومة أيقظت ذكرياتي!

تذكرت على الفور نزهة الزمالك وحفل عمر طاهر وأنا أعد حقيبتي، لم أتردد ووضعت الكتاب حتى إذا حان الليل في قطار النوم وانطفأت الأنوار، أبدأ رحلة أخرى داخل رحلة مع كاتبي المفضل.

كنت أسمع صوته وكأنه يحكي تفاصيل، فأنا أحفظ نبرته جيدًا، فبمحض صدفة ثالثة جمعتني بصوت عمر طاهر عبر أثير الإذاعة -ذات مساء بارد باهت ممل كنت أقضيه في منزلي بمفردي- استمعت إلى حلقة من برنامج “صنايعية مصر”، لأتابعه حتى نهاية حلقاته، فيؤنس وحدتي ويسامر وقتي الطويل في المساء بحكايات عن شخصيات من الماضي صنعت تاريخ مصر.

وبدأ الطريق إلى أسوان، تناولت العشاء، ثم خيم الليل وعم السكون في العربات كافة، سوى من صوت عجلات القطار تسير وبعض الهمهمة، بدأت القراءة، وكلما أوغلت في الكتاب بانسيابية شعرت بشهيتي نحو الطعام وبدأت أتخيل الموائد وبطل الرواية الذي كان ذواقة يمتلك فلسفة خاصة بالروائح والنكهات، أقرأ فصولًا ويغلبني النوم ثم أفيق وأستكمل ما تبقى، حتى بدأ شروق الشمس ونفسي معبأة بالبهجة.

كنا قد اقتربنا من حقول قرب مدن الصعيد قبيل الأقصر، فتركت الكتاب جانبًا لأمنح بصري بعض المساحة ومشاهد المسافرين، فنعبر بسلام وأعود من جديد لأختتم قراءة الكتاب، وبعد أن قضيت ساعات افتراضية أحلم بالأسرة والعائلة ورائحة الموائد والمطابخ وحكايات شديدة القرب من نفسي لامست ذاكرتي وأشعلت اشتياقي للقاء الأحبة خاصة جدتي التي رحلت قبل أربعة أعوام..

الكاتب الصحفية غادة قدري


اقرأ أيضًا:

المنقِّب

حين وجدت رائحة أمي في كتاب لـ “عمر طاهر”!

عمر طاهر.. ويبقى ما ينفع الناس

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى