المنطقة الحرة

عمر طاهر مؤرخ جيل الثمانينيات!

جاءت بداياتي مع عمر طاهر متأخرة، فأنا لا أحبّ قراءة الصحف، وكنت أسمع اسمه فقط وأعرف أنه كاتب قريب من جيلنا، لكنني لم أقابله أو أتعامل معه مباشرة، ثم شاهدت “سوبر هنيدي” وأحببته بشدة، واقتربت من عمر طاهر لأتعرف إليه أكثر.

ولأنني من هواة سماع الراديو، فوجئت به في إذاعة “نجوم إف إم” يقدم برنامج “واحد صاحبي”، عمر طاهر أسلوبه مميز في الحديث، وحكاياته لا تنتهي وموضوعاته متعددة بين سخرية واجتماع وفن وفلسفة.

عمر طاهر موضوعاته مميزة ومحببة إلى قلبي، إن كنت تقود سيارتك وظهر صوته في الراديو، فالأفضل أن تغلق زجاج السيارة وتستمع جيدًا إليه، فسيحسِّن ذلك نفسيتك تحسنًا كبيرًا، وإن كنت في المنزل، فأغلِق باب حجرتك وركز معه، فهو وقت مميز ستتلهف له أسبوعيًّا.

ثم كانت تجربتي التالية معه في كتاب “إذاعة الأغاني”، وهو الكتاب الذي بمجرد الانتهاء منه قررت أن أرسل إليه رسالة على صفحته بفيس بوك معبرًا له عن سعادتي البالغة بقراءته، وسعدت أكثر بردّه رغم اقتضابه، لكنه يهتم بالآراء وبما يُرسل إليه ويكتب عنه.

كتاب “إذاعة الأغاني” قرأته في مصيف هادئ، فأنا أعلم مسبقًا أنه كتاب خفيف يصلح لمثل هذه السفريات، وقد أدى مَهمته على أكمل وجه.

تتميز كتابات طاهر بأنها خفيفة وعميقة في آن، فخلف كل عنوان يكتبه فكرة في غاية العمق، وهو مولع تمامًا بالنوستالجيا، ويحمل بين طيات نفسه كل أحلام طفولة وشباب مواليد أواخر السبعينيات إلى أواخر الثمانينيات وآمالها وشقاوتها وطفولتها، ويعرف كيف يسجلها ويعرضها علينا، فنعيش معه ألطف الأوقات!

ثم تكررت التجربة مع كتاب “من علم عبد الناصر شرب السجائر”، فقررت هذه المرة كتابة مقال عنه وبالفعل كتبته ونشرته وأرسلته إليه، فأرسل شكره مرة ثانية وأعاد نشر المقال على صفحته.

تكمن أهمية عمر طاهر في دقة التسجيل وحساسيته إلى أيامنا، فمواليد الألفية لم يروا شيئًا مما رأيناه، لم يلعبوا ألعابنا، هم جيل التكنولوجيا، أما نحن فكنا أكثر حظًّا منهم.. عرفنا الحياة الاجتماعية والألعاب الجماعية والزيارات العائلية والأصدقاء، وحضرنا أواخر العالم القديم وبدايات التكنولوجيا ظهرت أمامنا.

ومن المعروف أن عندما يكبر جيل، فإن الحنين إلى أيام الشباب يزداد، وقد عرفت الشركات هذا، فعملت على إخراج إعلانات اللمة وأيام زمان، فأيام شبابنا وطفولتنا الآن هي أيام زمان التي نحكي فيها عن رخص الأسعار والدنيا الأكثر هدوءًا.

وطاهر يجيد الحديث عن أيامنا، ويجيد الرصد والتسجيل لتفاصيل ونفسيات ما كنا نعيشه ونحن أطفال وما نعيشه الآن متأثرين بطفولتنا ومراهقتنا، لذلك أراه مؤرخًا مهمًّا لجيلي، فهو استمع جيدًا للأغاني، وشاهد المسلسلات مرات ومرات، ويمتلك الشغف الذي لا ينتهي بجيله وبأيامه، أيام اللمة، أيام منير والعجمي وإيهاب توفيق والحكايات القديمة، فهو صاحب ذاكرة قوية، ويجيد السماع والمشاهدة وإعادة الإنتاج مرات ومرات.

وهو وإن كان يُتهم بأنه لا يملك جديدًا ويعيد كتابة ما قاله وقول ما كتبه، فهذا محبب إلى نفي، ففي كل حين يلزمك كتاب ترى فيه نفسك.. كتاب يصحبك في رحلة سريعة خفيفة الألفاظ.. كتاب تشعر فيه بمصر، بشمس القاهرة الحارقة في الصيف، ورطوبة الإسكندرية وطراوة العصاري، وبيت الجد، وشاي بالنعناع، وكورة في الشارع، ومباريات المنتخب..

بالفعل أحببت هذه المشاركة للكتابة عن عمر طاهر، فما قلته هنا كنت أود توثيقه ونشره منذ فترة، لذلك عندما حانت الفرصة لم أتردد لأكتب عن كاتب أحب حكاياته.

الكاتب الصحفي د.محمد أبو عوف


اقرا أيضًا:

كتابة صُنِعتْ بحب

الفضائي

فنان الجيل

الوسوم
أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق