المنطقة الحرة

عن شيخ الشعراء وامرأته… أو القصيدة

مصطفى رزق

قبل نحو سبع أو ثماني سنوات نشرتُ المقطع الأول قصيدة المرأة الاستثناء على صفحة الفيسبوك.

“لينهمرِ الشعرُ بالأغنيات الجديدة بين يديها

طويلاً..

طويلا.

ألا…

وليؤسس (على قدرها)

لُغةً…

وعَروضًا جديدينِ

يستحدثانِ مقاييس أخرى…

وذائقةً…

وعقولا.

هي امرأةٌ تشبه الشمسَ..

إلا أفولا”

كان أول التعليقات لصديقة عزيزة، كتبتْ “ما هو بيكتب حاجات سهلة أهو”. ليست مصادفة أبدا أن ترى الصديقة “المرأة الاستثناء” كذلك؛ هي القصيدة الأشهر للشهاوي، والتي يحفظها الكثيرون.

عندما قال لي صديقي “لنحتفِ بعيد ميلاد الشهاوي السابع والسبعين”، تذكرت ما كتبت الصديقة عن سهولة “لغة” الشهاوي، وقوله هو عن لغته:

“لغةٌ -من قبلُ- لم تُفْرَعْ

ولم تعْرف سواي

تتمرأى في دماي:

غادةً بكْرَ التجلّي

تصبّاني نهارًا

وتنسِّى النومَ لَيْلِي

لغةٌ

“مَجْنُونُها”

– منذ صباي –

كلُّ كُلِّي

لغةٌ من نسج قلبي

ومواجيدي

وأشواقي

وحبِّي

ورؤاي

لغةٌ

تسجدُ

-إكبارًا لها-

كل اللغاتِ

وذوو الشَّوْفِ.. لدى أعتابها:

أفئدة سكرى بصهباء التملِّي”

ببساطة يقول الشهاوي لماذا تأتي قصائده على الصورة التي هي عليها، فهي التشكيل الجميل للغة بكر لم تعرف سواه.

ربما هي مصادفة أن يكون كل من الشهاوي ومحمد عفيفي مطر “بلديات”، لكن التصاق الاسمين بصفة “الصعوبة” لدى الأغلب من جمهور الشعر ليست كذلك؛ الشاعران شديدا الحساسية للغة، شديدا الثراء في روافد المعرفة، وكلنا يعرف، ما الشعر إلا نتاج هذا كله محترقا في نفس/مجمرة الشاعر، وملوَّنا بخصوصية تجربته.

“قارئًا نَفْسِىَ

أتلوها عَلَىّْ

آيةً مِنْ بَعْدِ آيَةْ

سُورَةً من بَعْدِ سورةْ

قارئًا نَفْسِىَ أعوامًا.. وأعوامًا كثيرةْ

وإلى الآنَ؛

وما زلتُ العَيِي

إِنَّنِي أهفو إلى حَيْثُ يكونُ المستحيلُ

لا لِشَيءٍ عُرِفَا

قارئًا نفسي:

أَسْتَقْصِي أقاليمَ خَبَايَايَ؛ ومَخْبُوءَ جِهَاتي

عَلَّنِي أقرأُ أطواءَ خفايايَ/كتابي

في حَيَاتِي

قارئاً نفسى وللنفس قراءةْ

تجعل الشِّعْرَ سوى ما سَلَفَا”

هذه تجربة الشاعر وإجابته/محاولته، يعبر بسلاسة عن تعقيد الوعي/السؤال/الغواية، وجبرية الطريق.

الشيخ الأزهري الحافظ للقرآن يكتب الشعر باعتباره “أجمل ما في الحياة”، ويؤكد أنه لم يشعر يوما بالظلم في كونه مهملا من النقاد، أو مستبعدا من ذائقة عموم القراء “لم أشعر بالظلم إطلاقاً؛ لأن الذى يهمني هو تواصلي مع القصيدة”.

كم هو مرهق التواصل مع القصيدة وفق ما عرّف به الشاعر الشيخ نفسَه والقصيدة والتواصل… كم هو مرهق وجميل واستثنائي.

“طوبى لعبد ينشر الخير

ويموت مصلوبا على حبل من الرفض

طوبى لمن لم تثنه (حمّالة الحطب)

وإذا تصدى للغواية

يغتلي لهبا يصب النار في كفَّيْ (أبي لهب)

طوبى لمن لم يعرف الراحة

طوبى لمن لم يُلقِ – رغم الغبن – ألواحه

طوبى لمن لم يحْنِ هام الحرف والقلم”.

في الحقيقة، الشعر -كما الأدب عامة- عصي على التعريف رغم ما أنتجته المدارس الأدبية الكثيرة في أثناء محاولتها الاستقرار على توصيف للجمال وتجلياته في الأنواع الأدبية المختلفة، وهو ما يجعل من محاولة الوقوف على ماهيته وصفاته “الأمثل” مهمة مستحيلة وعبثية، لكنه في الوقت نفسه يجعل من السؤال حول هذا كله غاية هي الأكثر رحابة.

قارئًا نَفْسى فلْيَرْضَ “الخليلُ”

أو ليغضبْ

وليَصِحَّ الشِّعْرُ وَزْنًا

أو لِيَعْطَبْ

ولْتَثُرْ تلكَ الطُّلُولُ

أو لتَعْتبْ

غَايَتِي

[مِنْ قَبْلِ أن يأتِي الرَّحِيلُ] :

لحْظَةٌ أُبْصِرُ فيها ما تَوَارَى مِنْ تُخُومِى

واخْتَفَى”

أيام الظمأ إلى المناقشة والمناكفة والعالم الأجمل، لم أكن لأتنازل عن أقل من اعترافكم بشاعرية الرجل وتبجيلكم المعلن له.

اليوم، وكل ما يعنيني هو التنحي عن امتداد القبح والرداءة، أقول بصوت عال: ربما الشعر هو اللغة الموقعة، أو هو الصورة المركبة، أو هو المعنى المدهش، أو حتى هو فن الإيجاز… وربما شِعُر الشهاوي معقد كما يشيع ، وربما التعقيد مسيء للجمال كما يقول أصحاب الأرائك الطرية، أو هو الهدف كما يقول أهل الصالات المنغلقة… وربما وربما، لكن في النهاية ها هو الرجل أعلن غايته وأكثر، اقرأوه إن أحببتم، أو تجاهلوه إن أبيتم؛ فالقصيدة سوف تبقى استثنائية لأن شاعرها استثناء.

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى