ضاد

في رحاب العم سام (1)

محمد علاء- اكتب صح

لم آت إلى الولايات المتحدة هربًا من مبدأ ادعيت لبضع سنوات أني أمتلكه، وخدعت به ملايين البسطاء في الحياة والعقول، ولم يكن قدومي إلى هنا طمعًا في بيتزا من الحجم الكبير وإغاظة ملايين الشباب الذين أجبرهم ضيق العيش على الحلم بالهروب إلى مكان أكثر رحابة ولم يستطيعوا تحقيقه.

قدمت إلى حيث أنا الآن بحثًا عن حياة أفضل ربما عجزت بلادي “مجبرة” عن توفيرها لي ولكثيرين غيري، وبحثًا عما هو أهم، وهو السبب في تقدمهم وتخلفنا وما يمتلكونه ونفتقر إليه جعلهم على ما هم عليه، وجعلنا على ما نحن عليه.

لن أشغل بالي وأزعجكم كثيرًا بالأمور السياسية، فهي آخر ما يمكن أن نفكر فيه، وأنا أقل بكثير من الخوض فيه وسط كوكبة من الخبراء و”الفتّايين” على حد سواء، يشنّفون آذاننا ليل نهار بالتحليل واللت والعجن فيما يفهمون وما لا يفهمون، ولكن الأهم من السياسة هو المجتمع نفسه، فحسبما تعلمنا، فإن دور السياسة توفير أفضل مناخ ممكن للعيش في تناغم وسلام وتطور لكل أطياف المجتمع، ومن وجهة نظري فإن المشكلة في مصر بالأساس هي مشكلة اجتماعية وليست سياسية، فدعونا نرى كيف يعيش مجتمع أكبر وأهم دولة على سطح المعمورة في هذا الزمن.

إذا كانت هذه هي رحلتك الأولى إلى بلاد العم سام سواء كنت سائحًا أو باحثًا عن عمل أو دارسا، فإن أول ما ستشعر به فور أن تطأ قدماك مطار “جيه إف كيه” وتعبر كمين الجوازات، وتفتح نيويورك ذراعيها لاستقبالك، هو عدم التصديق والانبهار بكل ما ستلمحه عيناك!

ستسير في الشوارع وتنتابك مجموعة من الأفكار التي يمكن وصفها بالخليط بين عدم التصديق والتفكير في أن حلم المراهقة وربما جزء من الشباب قد صار حقيقة، وأن الطرقات والبشر التي كنت تحلم بها وتشاهدها في أفلام هوليوود، صرت جزءًا منها الآن!

قد يدوم هذا الإحساس فترة متفاوتة حسب قدرتك على تقبل التغييرات الجذرية والتأقلم مع المنحنيات العنيفة في الحياة، وعقب زواله سينكشف لك أمر في غاية الغرابة، ربما لم تتوقعه قط، أو قد تكون على علم به وأمواج الأيام العاتية دفعتك لنسيانه، وهو أنك قادم من دولة عظيمة بحق الكلمة، ولك الحق أن تفخر بانتمائك لها، حتى وأنت سائر على أرض أعظم بلاد الدنيا في هذا العصر.

ستدرك بطريقة لا إرادية أنك غير متفاجئ بأي شيء تراه عيناك، فأي شيء ستمر به أو تتعامل معه ستجد نفسك رأيت مثله أو شبيهه في مصر، ستستوعب دون أن يخبرك أحد أنك قادم من بلاد تمتلك كل شيء وبها كل شيء، وأنها دولة حقيقية ومتكاملة، لا يمكن لزلزال اجتماعي شهدته مهما بلغت قوته وطالت مدته أن يقوّض أركانها أو يقودها إلى الانهيار.

هذه ليست مبالغة على الإطلاق ولكنه واقع ملموس أراه وأتأكد منه هنا يومًا بعد يوم، فالجمال الطبيعي خلقه الله ووهبه لكل البلدان بأشكال متعددة ومختلفة، وفي كل بلد ذهبت إليه أو ستذهب، ستجد أماكن جميلة وأخرى أقل جمالاً وهذا هو حال أمريكا بطبيعتها الخلابة والجبال الشاهقة والغابات المثمرة وتعدد ألوان الحياة فيها، وهي أيضًا هبة الله لمصر التي ستراها تحت مياه شرم الشيخ وفوق جبال البحر الأحمر وعلى زرقة مياه عجيبة وفي صحاريها وموانيها.

وكما يوجد قبح القاهرة وازدحامها وضوضائها ستجد أمرًا مماثلًا مع اختلافات في نيويورك وشيكاغو والمدن والولايات الكبرى التي لا تقل صخبًا، ولكن تقل في العشوائية.

أما ما يخص مقارنة ما بناه الإنسان، فقد تكون ظالمة، نظرًا للفوارق الهائلة في الإمكانات والظروف، ومع ذلك فلا يمكن الاستهانة بما صنعته السواعد المصرية على مدار قرون، رغم الصعاب التي قلّما استطاعت أمة أن تتعامل معها وتتجاوزها وتستمر في المسير.

هل يعني ذلك أن مصر مثل أمريكا؟

بالتأكيد لا، لكن ذلك ليس بسبب ما يمتلكونه من إمكانيات لا نمتلكها، لكن بسبب الإدارة التي في يدها أن تحوّل الجحيم إلى جنة ودونها ستتحول الجنة إلى جحيم في لحظات.

شيء واحد وجدته هنا واضحًا جليًا لا تخطئه العين من النظرة الأولى، ولم أره في موطني طوال 32 عامًا هي عمري.. إنها “العدالة”.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

الوسوم
أظهر المزيد

حسام مصطفى إبراهيم

مؤسِّس مبادرة (اكتب صح) ورئيس تحرير الموقع

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق