المنطقة الحرة

في مديح «الفلوس» وذمّ «فرويد»

حسام مصطفى ابراهيم

نحن لا نعمل “شِفتين”، ولا نَحْفَى، ونُكلّف أنفسنا ما لا طاقة لنا به في الشُغل، من أجل تحقيق الذات والغايات الكونية العابرة للقارات، كما نقول عادة ونُباهي، لكن من أجل “الفلوس”، ولو وُجدَت لما بحثنا عن الشهرة والمجد والتحقق وإشباع الذات، والحاجات التخينة دي، ولانشغلنا بإنفاقها على سعادتنا وإبهاجنا.

وهو ما يتّضح بقوّة في حالة الفيلسوف الذي لا يملك ثمن تفاحة، فيقضي وقته في وصفها، وتحليل ماهيتها، وسبر كينونتها، وتفصيص جبّلتها، فيما يقرأ الغنيّ ما كتبه مبتسما، ومسترخيًا على فراشه، فيما يلتهم التفاحة في تلذّذ.

فالفلوس ليست رجسًا من عمل الشيطان، ولا “كِمالة عدد”، كما يحاول الزعماء والمصلحون والأغنياء في كل العصور إقناعنا، لكنها آلة زمن لتحقيق كلّ رغباتنا، أو أغلبها على الأقل.

وكون الفقر أساس صنع التاريخ، والفقراء ملح الأرض، شعارات ملاوعة وخيبانة، يرفعها الأغنياء عادة في وجوه الفقراء، كي يستمروا في تقبّل فقرهم، والرضاء بحالهم، دون محاولة تغييره، والثورة عليه وعليهم، ولو لم يكن عثمان بن عفان غنيّا مثلا، لتغيّر وجه التاريخ الإسلامي!

وفي لقاء قديم ونادر، جمع بين الموسيقار عبد الوهاب ومفيد فوزي، سأله المحاور الجهبذ عن علاقة الفقر بالإبداع، فضحك طويلا، وقال إنه لا توجد أي علاقة، فلو كان المبدع جائعًا ومريضًا و”مكسورًا” عليه الإيجار، فكيف يجرؤ الإبداع على أن يطرُق بابَه، ولو فعل، لما فتح له أحد!

وآدم وحواء، كانت لهما الجنة بما فيها، فطمِعا في زيادة ثروتهما من الخيرات، فأكلا التفاحة، ونزلا، وأنزلونا معهما الأرض، لتكون أغلى تفّاحة في التاريخ، حيث كان ثمنها: عذاب مليارات البشر!

أما الفقراء المعدمون الذين أبهروا العالم، فمجرد استثناء، يُثبت القاعدة ولا ينفيها، وطُرَف يتندّر بها الأغنياء في مجالسهم وملاهيهم، عن كيف يستطيع الإنسان تكسير المتعارف عليه طوال الوقت، وتحدي كل شيء، في سبيل إثبات أنه ليس نباتا أو صخرة أو ريهام سعيد، ولكن كائن حيّ!

ولو كان هؤلاء الفلتات أغنياء، لتحقّقوا أكثر، ولطارت شهرتهم إلى آفاق أعلى لم يبلغوها، والأهم: كانوا قد عاشوا حياة رغدة تليق بإنسانيتهم. بل لو سألتهم أن يستدبلوا بإبداعهم حفنة من الفلوس، لقبل أغلبهم، ولباسوا الأرض تحت قدميك فرحة وحبورا!

حتى أنا، أكتب هذا المقال طمعًا في ثمنه، فيما أنّه لو كان مجانيًا، لتكاسلتُ عن التفكير فيه، ثم كتابته، ثم تسليمه، وربما فضّلت عليه مباراة إكس بوكس مع ابني، أو حتى الاسترخاء على السرير مع مجّ نسكافيه ورواية تافهة أقتل بها الوقت قتلا.

في الواقع، فرويد أخطأ كثيرًا، عندما قال إن الجنس هو المحرّك الأساسي للإنسان، الفلوس يا عزيزي فرويد، الفلوس هي “الزتونة” الحقّة، فهي التي تشتري الجنس، وتشتري الإنسان نفسه، وربما كانت قد اشترتك أنت شخصيًا، لو كنتَ من الغباء بحيث استمررتَ على قيد الحياة أكثر من هذا، في هذا العالم المجنون.

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى