المنطقة الحرة

كثيرون حول الغزل قليلون من يغزلون

حسن معروف

لربما صادفك الحظ واستمعت إلى قصيدة غزلية عبقرية أنتجتها قريحة شاعر عربي على امتداد تاريخ الأدب، تأسرك بالفعل، بينما مع مضي الوقت تخبو، ولا يبقى منها سوى كلمات تذروها الذاكرة، وتسمع أخرى أقل وثالثة تعرض عنها، فغرض الغزل من أشهر وأكثر الأغراض التي قيل فيها الشعر، قديم بقدم عمر الإنسان، متقلب بتقلب البيئات والأمزجة، فإنك ما إن تسمع كلمة “غزل” حتى تتخيل صورة شاعر يغازل محبوبته، وتتهيأ لسماع أحلى عبارات الغرام، وتطمع أحيانا في أن تلتصق بذاكرتك بضع كلمات أو صور تستعملها في ما بعد في موقف ملائم تكسوه حالة عشق متوهجة.

 لكن هل صادفت من قبل امرأة خلقت لتوها أمام عينيك وأنت تسمع القصيدة؟ امرأة ولدت من بين أحرف ذهبية، وبدت نورا يتجمع صوبك، ثم أضحت غادة حسناء تمضي فيها وقتك حتى بعد انتهاء القصيدة، امرأة تنافس حوريات الجنة في خيالك، وتمنعك أن تهب عشقك الأوحد لإنسية أو جنية، فقط هي من تتكون لتكون لا تكون لتمضي متفرقة إلى صور وذكريات وبعض الخصام وقليل من ليالي الحب، هي ليست المرأة التي تبحث عنها بين القصائد، بل المرأة التي تقتحمك من بين أحرف القصيدة وتتفاجأ بوجود مثل هذا الكائن النوراني في ثنايا مثل هذه الأحرف الخالدة، هي كانت وستظل المرأة الاستثناء.

لِينَهمَرِ الشِّعْرُ بالأُغْنِيَاتِ الجديدةِ بَيْنَ يَدَيْهَا

طويلاً..

طويلاَ

أَلاَ..

ولْيُؤَسِّسْ [ على قَدْرِهَا ]

لُغَةً وعَرُوضًا جَدِيدَيْن:

يستَحْدثانِ مَقَاييسَ أُخْرَى..

وذائقةً..

وعُقُولَا

هى امرأةٌ..

تُشبه الشَّمْسَ إلاَّ أفُولاَ

في معرض الإسكندرية للكتاب في العام 2007 استوقفني كتيب صغير عليه اسم محمد الشهاوي، ديوان شعر، لا أذكر منه الآن عنوانه، فقط لون أصفر باهت بهت السنين لغلاف عليه رسمة ما يحتاج استرجاعها إلى ذاكرة لم يهبها الله لي، بعد الفهرس والإهداء التصقت قدماي بالأرض والكتاب بيدي وعيناي بالأسطر، حين وصلت إلى جملة “تشبه الشمس إلا أفولا”، دبدبت بقدمي في الأرض، هو .. هو..، هذا هو الشاعر الذي يدرك المرأة جيدا، هذه القصيدة التي أنجبت امرأة، وقررت الاحتفاظ بالديوان، وأنا قليل الاحتفاظ في ذاكرتي بالشعر، قررت الاحتفاظ بهذه الأحرف، قررت الاحتفاظ بهذه المرأة التي ظلمت كل نساء الأرض.

على شاطِئِ الأَلَقِ المُتَرَقرِقِ

            – مُفْعَمَةً بلهيب الوَضَاءَةِ

            مُتْرَعَةً بأريجِ الأُنُوثَةِ –

تُسْلِمُ أعضاءها لِيَدِ السِّحْرِ/ تَرْسُمُ فى

جِسْمِهَا الغَضِّ

أحلى الأساطيرِ..

ماذا يقولُ لسانُ المزاميرِ

عنها..

سِوَى أَنْ يَقُولا:

هى امرأةٌ تُشْبهُ المستحيلاَ

تخلق قصيدة الشهاوي المرأة بداية من قدميها، لا أدري لما أطل هذا الافتراض مني، لكن أي مؤسس يحتاج أساسا ليبني عليه، فكان الأساس قدميها، اللتين تشعان نورا ويشرب النور منهما، مستويان للنور، نور يعرفه البشر ويضرب به المثل في الصفاء والنقاء، ونور خاص بهذه المرأة، لم تره أعين، على خيالك أن يستدعيه من أقدس النصوص وأرجى صور الجمال التي يمكن أن يمتد إليها، فهو نور يغترف منه النور سناه، فقط كي يروي عطشه، والمغني، الذي ليس سوى أنا وأنت، لا يتوقف عن الحداء الذي ارتفع به شرف الغاية إلى منزلة التراتيل المقدسة، فقط أن ترد سيدة النور على مراسيله التي يبعث بها في هيئة مواويل تنبع إبداعاتها من ذات تشربت من هذا النور المقدس، وارتقت حتى بلغت صفاء لحظة الشروق، فيصعد اللحن من الأرض في اللحظة التي يهبط فيها ضوء الشمس من السماء، ليلتقي طرفا الحسن في وجنتيها، ومن سواها قد تجمع طرفي الحسن؟

هى امرأةٌ..

يَشْرَبُ النُّورُ من قَدَمَيهَا [اللَّتَيْنِ تُشِعَّانِهِ]

هاطلاتِ السَّنَا

والنَّدَى..

كى يَبُلَّ الصَّدَى

والْمُغَنِّى – هُنَالِكَ مُحْتَدِمًا بأُوَارِ التراتيلِ-

يُرْسلُ للانِهَائىِّ فى مُقْلَتَيْهَا :

بريدَ المواويلِ..

وهْوَ يُنَاغِمُ رَقْرَقَةَ الضَّوْءِ إذْ يَتَدَحْرَجُ

فوقَ حِبَالِ الْمَدَى..

ليُصَافِحَ فى وَجْنَتَيْهَا الصَّبَاحَ الجميلاَ

وسَيِّدَةُ النُّورِ تَعْلَمُ :

أنَّ القصائدَ مِفتاحُ بابِ الدُّخولِ إلى بَاحَةِ

المُطْلَقِ المتهلِّلِ،

آهٍ.. وأنِّى

أوَدُّ الدُّخولاَ

ليس بعيدا أن تلتقي فتاة أحلامك في الحلم، فهي حرفيا وبالدلالة المباشرة “فتاة أحلام”، لكن المعجز أن تصل العفة بهذه الفتاة أن تراود الحلم نفسه فقط عن ذاته، أن تجعل بينك وبينها شرطا واحدا، أن يفرقك الحلم بها ويعيد تجميعك، أن يتفرع بك بين دروب الشوق والسهد والوجد والاشتياق، أن تناجي الليل عنها وتسعى إليها في الصباح، أن تحصل على فتاة الحلم يعني حرفيا أن تكون على قدر هذا الحلم، تعيش الحلم في يومك حقيقة حتى يجمعكما هذا الحلم، بعد أن تنفق نفسك في صورة أحلام متفرقة كقربان لها، قربان لهذه التي سكنت الحلم وسكنها وسكنا الاثنان كيانك.

هى امرأةٌ..

لم تُرَاودْ سِوَى الحُلْمِ عن نَفْسِهِ..

وفتاها:

تَوَزَّعَهُ الْحُلْمُ/ وَحَّدَهُ والشَّذا

                                    والجَوَى

                                       والنُّحُولاَ

فأترَعَ كلَّ الجهاتِ

أفاويقَ وَجِدٍ..

بهِ ما بهِ مِنْ ضَنَّى لن يَحُولاَ

أجلْ..

إنَّه مَوْقِفُ الشَّوْقِ..

              والتَّوْق،

                           والسُّهْدِ..

                                    والوَجْدِ،                                                               والشَّدْوِ..

                                                   والشَّجْوِ

فلْتَشْهَدِى [ يا جميعَ المواقيتِ ]:

أنَّ الْمُغَنِّىَ..

مازال فى حَضْرَةِ الشَّوْفِ

يتْلُو كتابَ صباباتهِ،

وفِدَى مَنْ أحَبَّ

يَمُوتُ قتيلاً

ويا سيِّدى/ الوَجْدَ

إنَّ لنا مَوْعدًا [ عَقَدَتْهُ العيُونُ ]

وَوَثَّقَهُ الصَّمْتُ

والصَّمْتُ أَبْلَغُ قِيلاَ

أُحِبُّكَ يا سيِّدِى الوَجْدَ/ يا ذا الخليلُ الذى

لَمْ يَمَلَّ الخليلاَ

أُحِبُّكَ..

فاكْتُبْ إلى الْعُمْرِ أغْنِيَتِى

                                    عَلَّهُ

                        – رحْمَةً بالْمُحِبِّينَ –

                                    أَلاَّ يَزُولا

هى امرأةٌ.. تشبهُ المستحيلا

منتصف الوصف منتصف الخلق منتصف الجسد، هنا تغزل الأسطورة خيوطها في منطقة الخصر، وتغزل القصيدة قمة متعتها، ويبلغ الشوق لها لحظة الاكتمال، هنا يعلن الشاعر ويدرك المتلقي سر أسرار هذه المرأة الاستثناء، وهو تشكيل المقادير لها، إرادة مطلقة جعلتها تفوق جميلات البشرية، وتتفوق على بلقيس في اعتلاء البحر عرشا، لدرجة جعلت أي امرأة إلى جوارها محض ادعاء،هنا اللحظة التي تتبدل فيها الحقيقة وهما والوهم حقيقة، هنا تحل امرأة القصيدة في واقعك، صورة وحلما ونورا تسيطر على كيانك، وتزيح من سواها من النساء اللواتي تشكلن لك في السابق لحما ودما إلى وهم، إلى هامش على متن جلالها العظيم، هنا ندرك من أين جاءت التي شكلتها الإرادة المطلقة، إنها جاءت من الجوهر الأول، جوهر الشعر وجوهر الحياة، جوهر الحلم وجوهر الحقيقة، من الرفض، استعصت أن تتشبه بغيرها فعز على الشاعر إلا أن يرفعها مقاما غير مسبوق فأطاعته الأحرف وخرجت في “الفراديس”، المفردة التي علت على غيرها علو صاحبتنا على من سواها علو القصيدة على نظيراتها علو الشاعر على من يحاول.

هى امرأةٌ..

وجميعُ النّساءْ

سواها ادِّعَاءْ

لها الْبَحْرُ مِنْ قَبْلِ “بلقسَ” :

                                    عَرْشٌ،

وكُلُّ المياهِ:

                        إمَاءْ

يُخَاصِرُهَا الْموْجُ _ فى نَهَمٍ _

مُمِعْنًا فى الصَّبَابَةِ جِيلاً

                           فَجِيلاَ

أقَايضُهَا :

بدَمِى..

وجميعِ دفاتر شِعْرى.. مُقابلَ:

            أن أتَرَيَّضَ عَبْرَ فراديس أبْهَائها

            أن أجُوسَ خِلاَلَ أقاليمِ لألائِهَا

                        أنْ أَسِيحَ بأَغْوَارِ أغْوَارِ آلائهَا

                                                            أو أَجُولاَ

أقايضها..

بدمى،

وجميعِ دفاتر شِعْرِى.. مُقَابِلَ

            أن أَتَمَلَّى مَفَاتِنَهَا:

                                    بُكْرَةً..

                                    وأصيلاَ

هى امرأةٌ..

تشبه المستحيلا

تصل القصيدة بنا إلى مرحلة إسدال الثوب على هذه المخلوقة الخرافية، فنصل بها إلى اكتمال الخلق بالتخيل، وما أجمل من أن تتخيل شيئا يستبد بك حتى تستنشق عبيره، ما أجمل أن تتعرف إلى الشيء من رائحته، هذه الخاصية التي لا تكذب لا في الحلم ولا في الحقيقة، هذه الرائحة التي تنتج من تفاعل خلايا ومكونات الجسد، نتجت هنا من تفاعل الأحرف والصور بخيالك المستعد، فتسلل عبير من بين أحرف كلمتي “المستحيل” و”الاستثناء”، ملأ هذه المسافة بينهما، بين اليأس والأمل، بين ما يأست من كونه وبين ما شق هذا اليأس ووصل إليك بمجرد وصولك إليه، لن تخطئ أنفك هذا العبق الذي يحمله إليك النسيم، تذوى روائح البشر ببعد المسافات، إلى عبق هذه المرأة التي خلقتها توا هذه القصيدة، وكأنها أينما فردت شعرها في أي بقعة في الكون أتاك العبير، أتاك وحدك وأتى غيرك في الوقت نفسه.

النصيحة الأخيرة، لا تتخير لمحبوبتك اسما أو كنية، لا تسوّي بينها وبين البشر، لا تجعلها في مرتبة واحدة مع غيرها ممن يحدهن الاسم في منطقة تعريفية ضيقة، أطلقها ولا تطلق عليها اسما مقيدا، أطلقها كما جاءتك من المطلق، وكما شكلها المطلق في كل شيء، أطلقها حتى تعود إليك واحدة فيها الكل، والكل يصبح فيها، وحتى تمحى المقارنة بينها وبين غيرها، فمن ذا الذي يقارن المحدود بالمطلق؟

بعد أن جالت هذه الخواطر السابقة حول النص في رأسي واستبدت بي، أعدت النظر كرتين، وأنعمت التأمل في هذا التشكيل النوراني لأحرف هذه القصيدة، فهي مع بساطة الصور المستحدثة ضمت أيضا خليطا من التصاريف والتراكيب المستعصاة مثل “الوَضَاءَةِ، هاطلاتِ السَّنَا، أفاويقَ وَجِدٍ، مِنْ قَبْلِ “بلقسَ”، أقاليمِ لألائِهَا”، هذه المفردات التي يطول شرحها وشرح توظيفها، ويختلف على مقاصدها كل ذي رأي، لا تدل إلا على تخير اللفظ الشريف للمعنى الشريف، تناسق التشكيل البصري والتشكل اللغوي، لا تدل إلا على أن شاعرنا كما ضن بفتاته ضن أيضا بالتراكيب التي تتخلق منها هذه المرأة الاستثناء، كما أسهب أيضا في إطلاق المبالغات في وصفها، والتي حملتها جملة المفردات التي صيغت على أوزان الجمع المختلفة “الأغنيات، الأساطير، التراتيل، الجهات، الأفاويق، المواقيت، صبابات، المعجزات، المقادير، فراديس، أبهاء، أغوار، آلاء، دفاتر، أعطاف”، هذه الجموع لم تأت من فراغ لتذهب سدى، هذه الجموع جاءت من مستوى وصفي يقترب من اليقين بتفرد الموصوف، مستوى لا ينقل الوصف إليك بل ينقلك إليه حين يضع تصوراتك الذهنية في أقصى الأفق فلا تجد لك مفرا إلى أن ترى صورة كاملة يراها هو لهذه المرأة وهي تتخلق، هذه المرأة الوحيدة والمتفردة، المرأة الاستثناء.

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
شارك