المنطقة الحرة

كعكةٌ.. قوامُها الناسُ والحجارة

طاهرة طارق

(أمل) النبي، هكذا أحب أن أُلقّبه دائمًا، هكذا أراهُ، كلما قرأته وقرأتُ عنه، هكذا يَثبَتُ لي كلما وخزتني كلماته في الحب والحرب، كلما رأيتُ كعكتنا كما وصفها تمامًا، كما وصفنا تمامًا، كما دوَّن هتافاتنا، ووثَّق محاولاتنا البائسة القادمة، حتى إنه لم يغفل عن ذِكر رايتنا وشعارنا “الصباح”، بل كاد يصل بنبوءاته حد النبوّة حين قال “كان مذياع القهوةِ يذيع أحاديثه البالية عن دعاةِ الشغب”، في حين تمتم آخرون: “سوف ينصرفون إذا ما البرد حل.. ورانَ التعب”!

“وتفرق ماؤك -يا نهر- حين بلغت المصب”!

خمسة أعوامٍ يا (أمل) مضت، ولم ندرك المَصَّب، خمسةَ أعوامٍ تفرق فيها ماؤنا وقُوتنا وأحلامنا ودماؤنا ولم ندرك المصَّب، خمسة أعوامٍ تفرقنا فيها نحن، وبثنا اليأس في أراضي الله لاجئين، ليس بحثًا عن قوت يومنا، بل حفاظًا على حقنا في الحياة -أو بشكل أدق- على حياة من تبقى!!

نعم يا (أمل)، فبعد أن أطفأوا شمع كعكتنا وشوّهوا زينتها بأقدامهم -وليس فقط أيديهم- كما يفعل أي طفل سمج، أناني، وخبيث، كي لا يأكل الآخرون معه، ولا يلتفون حول كعكتهم، وإن أصرّوا على الالتفاف، فسيكون فقط من أجل ترميمها ليعود من جديد ويدب قدمه مُشهرًا هذه المرة سلاحه في وجه الجميع بلسان حالٍ يقول “هذه كعكتي وحدي.. أحبها مشوهة”!!!

“تغنون “نحن فداؤك يا مصر”

“نحن فداؤ…”

وتسقط حنجرةٌ مخرسة”..

سقطنا جميعًا يا (أمل)، سقطنا جميعًا ولم نستطع أن نقف حتى الآن، أخبرك بكل ثقةٍ يا صديقي أن من صدّق منا القول والنية منذ خمسة أعوام، أصبح الآن كالموتى الأحياء.. وبقدر الإيمان واليقين الذي ملأ قلوبنا وقتها.. سكن الكُفر حياتنا وأحلامنا.

صدقني، لا أبالغ حين أقول لك إن في كل صورةٍ جماعية للأصدقاء ستجد فيها -على الأقل- أحدهم مهاجرا، وآخر مُعتقلا، وآخر ربما قُتِل، وربما قتلته الأحلام فانتحر!! نعم يا صديقي، الكثير منا قد انتحر، ضلله اليأس إلى أن آمن أن الملاذ الوحيد على الضِفة الأخرى فرحل ليبحث هناك عما فقده هنا -وأرجو من الله أن يكونوا قد وجدوا ضالتهم- لأن الانتحار هذه الأيام يا (أمل) لم يعد بالأمر الجلل! الكثير منا -بعد انطفاء شموع كعكتنا- راودته الفكرة، وأقبل عليها، وما زال منا من يقبل عليها. إذا أردت أن تسخر، أن تعارض، أن تُعبِّر، حتى إن أردت أن تحلم، فذاك دربك نحو الانتحار!! أرأيت؟! الأمر بسيط!!

“المنازل أضرحة، والزنازن أضرحة، والمدى أضرحة”..

رائحة الموت سكنت شوارعنا أعوامًا يا (أمل)، أعلم أنها لم تفارقنا بعد وأنها ملء رِئتينا ولكننا اعتدنا عليها، ولن أخفيك سري بأني أعلم تمامًا أننا فقدنا جميعًا جزءا من إنسانيتنا على مدار الأعوام الأخيرة، فلم تعد تفزعنا أخبار القتل، لم أعد أندهش حين أسمع عن وقوع انفجار بجوار منزلِ صديق!!

أأخبرك عن شيء، أدرك أنك ستضحك عليه ألمًا؟ زوارُ الفجر لم يرحلوا!! بل على العهد يؤرقون نوم الثائرين، نعم يا صديقي لم يختلف الوضع كثيرًا، أو ربما اختلف كثيرًا جدًا لدرجة تجعل الكثيرين لا يدركون أين الحقيقة، أو ربما لديهم عذرهم، فالنور الساطع أحيانًا يعيق الرؤية، وهكذا كانت كعكتنا!! ولكنه لا يسبب عمى القلوب يا صديقي!!

“ضِد من؟!”

باستثناء حدود الوطن، لا أعلم من يحارب اليوم، يحارب في صف من؟! وضد من؟! الساحة الآن أشبه بشجار في حانة.

 الكل أوفياء، الكل أبرياء، الكل يبتغون مصلحة الوطن، وكل قتلاهم شهداء؟!

وبين كل تلك المعارك والمواجهات، نخسر جميعًا، ويفوز واحدٌ فقط، يفوزُ “(من يمسك العملة.. يمسك بالوجهين).. والفقراء بين بين”!!

“اذكريني.. فقد لوثتني العناوين في الصحف الخائنة”..

وما زالت تلوثني يا صديقي، نحن الأعداء دائمًا.. تختلف مسمياتنا وفقًا لطبيعة كل مرحلة ولكننا -دائمًا وأبدًا- الأعداء، المأجورون، المغيّبون، دعاة الشغب، أصحاب الأجندات، أي شيءٍ يا صديقي من شأنهِ تلويث سمعتنا، والتشكيك بانتمائنا لهذا الوطن الذي لا نزال نبحثُ عنه.

(أمل)، أفضِّل أن أدعوك (النبيّ) على أن أتخيّل أن “كعكتك الحجرية” لم تكن إلا وصفًا لما حدث في وقتك، ادّعائي لنبوتك أهون كثيرًا من تصديق أن المشهد لم تتغيّر به لقطة واحدة، وأننا بعد كل تلك السنوات سنعيد الكرَّة، لنعود إلى نفس النتيجة!!

(أمل)، قل لي إنك (نبي)، أكذبني القول، وقل إنك (نبي)، علَّ “القلب في الخفقان اطمأن”!!

 طاهرة طارق

اقرأ أيضًا:

اكتب صح يطلق مصححا أوتوماتيكيا للغة العربية

أهم 5 كتب لمعرفة الأخطاء اللغوية الشائعة (متاحة للتحميل)

أفضل كتاب لتعليم الإملاء (متاح للتحميل)

51 كلمة قرآنية تُفهم خطأ

ألف الوصل وهمزة القطع.. (6) إنفلونزا أم أنفلونزا؟

كيف ننمي اللغة العربية لدى أطفالنا؟

ما الـ Thesaurus؟ وهل توجد في اللغة العربية؟

تأنيث أسماء الدول وتذكيرها

فيديو| كيف تصبح محرر ديسك 3

استقالة القاضي السحيمي.. لماذا كل هذه الضجة؟

بخطوات بسيطة.. كيف تحوّل العامية إلى فصحى؟

4 مهارات أساسية لإتقان اللغة العربية

صور| نشرة أخبار الأخطاء – الجمعة 27 نوفمبر

الوسوم
أظهر المزيد

حسام مصطفى إبراهيم

مؤسِّس مبادرة (اكتب صح) ورئيس تحرير الموقع

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق