المنطقة الحرة

ماذا لو أصبحت “وحيدة”؟

دينا سعد

يحضرني مشهد في فيلم “لا مؤاخذة” عندما ماتت سلحفاة “هاني”، وقرر والده ووالدته أن يضعوا السلحفاة في قالب من الثلج، حتى يراها هاني وقتما يشتاق إليها ويأخذه الحنين.. وعندما مات والد هاني، كان يتساءل: “ليه ما نحطّش البني أدمين في قوالب تلج ونشوفهم وقت ما نحب”.

ولعلي حقًا كنت أتمنّى أن تتحقق أمنية “هاني” ونستطيع أن نضع البني أدمين في قوالب ثلج، ونضع أيضًا الأوقات الحلوة والأحلام ولحظات الانتصار وأحضان المطارات والرسائل المنتظرة التي تأتي في وقتها وأشياء كثيرة جدا في قوالب من الثلج، ونذهب إليها وقتما نشاء.

وفي وقت ما أدرك “هاني” أن السلحفاة لن تحيا مرة أخرى، ووجودها في قالب الثلج لن يغير من الأمر شيئًا، فقد ماتت وانتهى الأمر ولن تعود.. فأخرجها ودفنها وتقبّل فكرة غياب والده وسلحفاته، وكونه أصبح وحيدًا. وبدأ في رحلته الجديدة للبحث عن بدائل، فلا بدّ له أن يجد ونيسا آخر متمنيا أن يكون هذا الونيس أطول عمرًا وبقاءً.

ورغم بساطة الموقف ومنطقية القرار، فإننا لا نستطيع أن نفعل كما فعل، و”ندفن” الأشياء والعلاقات والذكريات التي انتهت، ونحن ندرك أن ذكراها لن تغيّر من الأمر شيئا.. فنحن نتعايش مع الذكرى وما تبقى منها، ونخشى أن نبحث عن بديل.. ورغم أن الأسماء تتلاشى ولا تعاود الظهور وتتراجع المحادثات إلى أسفل القائمة، بعدما كانت على القمة، فإننا نذهب لكل شيء يحاول الضمور، ونحييه لأننا ما زلنا نشعر بهم!

يوما، قالت لي صديقة عابرة “الناس بتيجي عشان تمشي”، وعندما أدركت ذلك، بدأت أخشى الوحدة كثيرًا، ولم أعد أستطيع أن “أعيش اللحظة” كما هي، بلا تفكير، ففي أثناء الضحك وفي الأوقات الفرحة، وخلال القرب من المحبين وفي التجمعات، أظل أفكر في تلك اللحظة التي سوف أبقى فيها وحيدة بلا أحد!

فهناك من الأشياء الكثير مما لا يقبل حتى تمنّى تجميده في قوالب من الثلج، والبدائل دائما ما تلقى نفس النهاية، فكل شيء ينتهي، وكلهم راحلون، باختلاف الأماكن والأسباب، كلهم راحلون! فلا مفر من الوحدة المطلقة، وكل هذه مسكنات لمرض مزمن لا علاج له، ستواجه الوحدة يوما ما، شئت أم أبيت، في طفولتك أو شبابك أو حتى شيخوختك!

لقد جئت إلى الدنيا وحيدا، وسترحل منها وحيدا.

وعلى هذا الأساس أصبحت أتعامل، وأعوّد نفسي مصادقة الوحدة.. فأكلت وحدي وأيقظت نفسي وخرجت وحدي أيضا. ولم أعد أشارك أحدًا فيما أمارسه، كما كنت أفعل من قبل.

والوحدة صديقة “تِلمة” كما يقولون.. كثيرة الشكوى وكثيرة الحزن، دائما ما تشعر بالبرد، شاردة معظم الوقت، لا تندمج مع الآخرين بسهولة، تحب الجلوس وحدها كثيرا، تتذكر الجميع في أوقات الفرح والانتصار لتشاركهم، وفي أوقات الحزن لتأتنس بهم، وفي الحالتين لا تجدهم، فتحزن أكثر، وتتقبل الأمر الواقع وهي صامتة، لا بدّ أن تشغلها طول الوقت وإلا أخذتك من يديك وبرضاك إلى تناول أي آلة حادة، وطعن نفسك بها!

ورغم ذلك، فهي رقيقة وهادئة،  تتمنى لو تحتفظ بالجميع، لكنها تعلم أنهم راحلون، فلا تحاول حتى أن تخبرهم بأمنيتها في بقائهم أكبر وقت ممكن.

وكنت أتساءل كثيرا: ماذا لو أصبحت وحيدة فعلا؟

فأجابتني صديقة أعلم مني في مصادقة الوحدة “ماحدش بيموت من الوحدة، ما تخافيش الوحدة ما بتموتش”.

اقرأ أيضا

رسائل الغياب

لماذا لم تعودي يا ميس شيرين؟ 

المدينة البعيدة

كساحر خفيف اليد

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى