المنطقة الحرة

محمد الشهاوي لـ«اكتب صح»: دولة الشعر باقية.. وحُلمي كاسرٌ للأزمنة وعابرٌ للقارات

محمد هشام

أزاح الشاعر الكبير محمد محمد الشهاوي الستار، عن رؤيته لمستقبل القصيدة العربية، في ظل تحديات جسيمة تواجه فن الشعر في مصر والعالم العربي، وفي ظل حالة من التنكر والاغتراب عن التراث، وطغيان عوامل المادة على عناصر الوجدان.

وانفرد “اكتب صح” بحوار صحفي مع الشاعر الكبير، بمناسبة عيد ميلاده الـ77، كشف خلاله عن دور المثقف العربي في مقاومة حالة السقوط الحضاريّ الآنية، والحيل الدفاعية التي عليه أن يلجأ إليها، لمجابهة موجات الاغتراب عن التراث والهُوية واللغة الأصيلة، وإلى نص الحوار:

في عيد ميلادكَ الـ77 من عمر عطائكَ.. هل وصل الشهاوي إلى ما يبتغيه شِعريًّا؟

في البداية، قد يبدو أو يظن البعض أن هذا السؤال بسيط في مجمله، لكنه في واقع الأمر فخ كبير، وجدلية تثير بعنفوان ما كَمُن داخلي من آمالٍ، فلا أتصور أن أكون أنا أو غيري من الشعراء والأدباء قد وصل إلى مبتغاه الحقيقي، لأننا في الحقيقة نعيش على خط أشبه بالحلم، نتلبَّسه في جميع تقلّباتنا، فهو حلم عابر للقارات وكاسر للأزمنة، وهو أكثر رحابة من أن يتلخص في منجز شعري أو مبتغى مرحليّ، وحسب المبدع أن يكون له هدف وطموح يشقى من أجل تحقيقهما بكل ما يمتلك من معرفة وموهبة وعبقرية، فإن وصل إليهما يكون قد حقق قطرات من بحر غايته العظمى، والثابت أن جميع العباقرة الذين أثروا التاريخ بإبداعهم ماتوا ولم يحققوا مطلقا أحلامهم المثلى، ولو بحثنا في السيرة الذاتية لشكسبير أو حتى المتنبي، لعرفنا أن ما أبطنوا من آمال أعم وأوسع مما حققوه على أرض الواقع قبل موتهما.

ودعني أقول لك بصدق، إن طريق الحلم ممتد بطول العالم وعرضه، وإن الساذج والمتوهم فقط من يظن نفسه قد وصل لآخر ما يمكن الوصول إليه من إبداع، والحقيقة الكبرى أن أعمارنا محدودة للغاية لو قسناها بما نحلم به إبداعيا، لكن علينا فقط أن نرابط في ميدان المحاولة.

كيف ترى الشعر في ميزان الثقافة وسط تغول عناصر المادة والتقدم التكنولوجي؟

في تحليل هذه الإشكالية، أملك تصورا وجدانيا أكثر منه عقلانيا، إذ أعتبر أن الشعر خُلق ليبقى، وأن ما اعتبرناه من مثبطات أوجدتها صيرورة الزمن والتحول العالمي، وانشغال العقول بالإنجازات المادية، واحتشاد المجتمعات على كل ما هو غير وجداني، كل ذلك لن يحول دون استمرار مسيرة الشعر ونفاذ أثره في أفئدة الناس، والدليل على ذلك أن بطش التكنولوجيا لم يقضِ على رواد الشعر في مصر والعالم العربي، والشاهد على هذا البقاء هو استمرار تدفق المسيرة الإبداعية وانهمار الأعمال الحقيقة إبداعيا حتى اللحظة، فلا زلنا نقرأ شعرا أصيلا يكتبه شعراء متحققون، ما زالوا محتدمين باصالتهم وبتراثهم العريق.

وإذا افترضنا جدلا أن النسبة العامة لجمهور الشعر قد قلت، فالطبيعي أن فن الشعر فن لأصحاب الثقافة الرائقة، كما أنه يبقى ضروريا لاستمرار الحياة على هذه الأرض، فالشعر باقٍ ما بقي الوجدان الإنساني.

كيف ترى نهم الناشرين لطباعة الرواية والقصص وانطماس حماسهم لنشر الشعر؟

الناشرون أصبحوا في أغلب الأوقات لا يهتمون إلا بما يدر عليهم أرباحا أكثر، والذي يفحص الأمر جيدا يجد أ الرواية والقصص هي الأكثر مبيعا والأوفر ربحا ورواجا، وقد يكون ذلك طبيعة المرحلة الآنية، نتيجة التوحش المريع في ارتفاع أسعار السلع ومقومات الحياة الأولية، لكنني في نهاية الأمر لا أرى ذلك النزوع من الناشرين إلا لهثا وراء المادة على حساب الغاية الكبرى وهي نشر الفنون بكافة معطياتها وألوانها، لكن في الأخير يتحمل الشعراء عبء النضال من أجل أشعارهم، وأنا أجزم أن دولة الشعر والشعراء باقية.

ويحضرني الآن قول أبي تمام:

ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت.. حياضك منه في العصور الذواهب

ولكنه صوب العقول إذا انجلت.. سحائب منه أعقبت بسحائب

هل هناك مستقبل للقصيدة كمحرك شعبي، في ظل الإسفاف والتدهور الحضاري؟

أتصور أن مستقبل القصيدة مرهون بكونها حقيقية من عدمه، ومشروط بقدرتها على تحطيم الجدران وغزو الوجدان البشري، ومن ثم النفاذ للوجدان الجمعي، فتأخذ مكانتها في التصور العام للمجتمع.

وأرى أن مخاوف اندثار القصيدة مجرد مزاعم، يبطلها استمرارية الشعراء لإنتاج شعر حقيقي، يستمد من الواقع خيوطه، وأن يحلم لأبعد مدى يمكن تصوره.. وأنا أعرف شعراء طبعت لهم مؤسسات ضخمة دواوين شعرية على أفخم مستوى، ولم يبع منها نسخ تتعدى أصابع اليد، في حين صدرت دواوين لشعراء حقيقيّين نفدت من الأسواق نفادا عجيبا، والفيصل في الأمر هو الإبداع وفقط، لذلك فالمجتمع في أمس الحاجة لشعراء يقلقهم دائما مستقبل الشعر، ويأسرهم طول الوقت شغفهم لأن يكتبوا للشعر أجمل القصائد.

ما أقرب أعمالك الشعرية إلى قلبك؟

قد يظن البعض أن تعبير “قصائد الشاعر بناته” مستهلك أو مبالغ فيه، لكنه في واقع الأمر حقيقة، إذ تعد كل معاناة للشاعر فرحة، وتعد كل قصيدة فتوحًا جديدًا، ويظل لكل مرحلة شعرية عشتها أبطالها من القصائد الشاهدة على تفاصيلها وملابساتها، وتظل القصيدة الحلم هي الطموح الدائم لكل شاعر.   

ماذا تقدم من نصائح لشاعر شاب؟

لم أتعود أن أنصح أحدًا مدى عمري إلا بما أنصح به نفسي وأقول لنفسي ولجميع الشعراء، إن المسألة شعر أو لا شعر، أن نكون أو لا نكون، وإن الإخلاص والعرق والمشقة لهم العوامل الرئيسة في أي إبداع، فالعبقرية لا تمثل الموهبة فيها إلا 1% فقط، والبقية اجتهاد وتعلم وتمرّس، ولذلك أوصي نفسي وغيري دائما بالمثابرة والقراءة الموسوعية، فالشاعر من دون قراءة ومعرفة لا يساوي شيئًا، وأقول للشعراء الشباب إن عليهم أن يزيلوا ذلك المفهوم الخاطئ بأن الشاعر عليه أن يقرأ شعرا كي يصير شاعرا، والحقيقة أن جميع فروع الفن أولى بالشاعر وهو أولى بها، كما أن القراءة في العلوم والأبجديات المادية والرياضية تثري من عقل الشاعر ورؤيته للكون.

بمناسبة اقتراب صدور أعمال الشهاوي للأطفال.. ما الذي تطمح إليه من وراء هذه الكتابة؟

أتصور أن جميع أطفال العالم هم أحفادي، وعليَّ أن أهدي لكل طفل وردة، هذه الوردة هي الكلمة، وأرى أني مبعوث لكي أغرس في داخلهم حب الشعر، وأنحت في وجدانهم حب اللعة العربية الأصيلة، إذ صارت العامية يتنفسها الأطفال في كل ذرة هواء، بينما تحرم الفصيحة ويتفرق دمها بين المناهج، إن الشعر يصنع في داخل الطفل رجفة عظمى قد تغير مسار حياته إلى الأفضل، وأنا أذكر جيدا عندما كنتُ طفلا، كانت تحفر في داخلي القصائد التي كان يقرأها أستاذنا على مسامعنا مثل “قد أقبل القطار.. تفح منه النار”، “وماذا يقول الجرس.. يقول يا أولادي”، كنت أنتفض فرحا وذهولا وأنا أردد تلك الأشعار، وكانت تُنشئ في داخلي جسرا بيني وبين العالم، وأريد أيضا من كتابتي للأطفال أن أغرس في مكوّناتهم مَلكة الكونية، وغذيت بهذه الفكرة 90% من قصائدي التي كتبتها للطفل.

وأنا أزعم أن قصائدي لو ترجمت لجميع لغات العالم، لوجد فيها كل طفل مبعثا لحب وطنه أيا كان اسمه، إنني أحلم بنشر السلام الوجداني بين الناس والأمان الروحي بين البشر، وأريد أن أغني للحياة دائما “كن جميلا تر الوجود جميلا”، ومهما كانت قسوة الحياة فإن فيها ما نستحق أن نعيش من أجله.

وأختتم بأنه رغم كل معاناتنا، فإننا في نعمة كبرى، هي نعمة الشعر، فهو الشيء الوحيد الذي لا يشترى، أو كما قال أمل دنقل: “هي أشياء لا تشترى”، والشعر يا أبنائي لا يشترى بأموال الدنيا وصدقوني جميعا:

لو كان يدري ملوك المال لذتنا.. ودّوا بفقد الغنى لو أنهم شعروا

ما البيت شادوه من طين ومن حجر.. كالبيت شادته من أقباسها الفكرُ

يفنى الذي شيدوه بعد موتهمُ.. وما بنينا على الأيام يدخرُ

أقول لكم جميعا: لا تنشغلو بطغيان المادة عن عالم الخيال، فهو رايتنا وأرضيتنا، وأجنحتنا لنحلق في فضاءات لم تخلق إلا للشعراء العاشقين.

حوار: محمد هشام

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى