المنطقة الحرة

محمد محمد الشهاوي.. الشاعر الاستثناء

محمود عبد الرازق

“هي امرأةٌ

وجميع النساء سواها ادِّعاء”…

لم يكُن الشاعر محمد محمد الشهاوي حين كتب هذه الكلمات يتحدث عن المرأة بمعناها المفهوم، بل كان -كعادته في كثير من قصائده- يتحدث عن “القصيدة”، فالقصيدة هي المرأة التي يناجيها الشهاوي، بشعره وشعوره، وقف عليها حياته ونبض قلبه، فتراها حاضرةً زاهرةً في قصائده، وتسمعها ناطقةً في عينيه، وتراها نابضةً في هزّة يده…

والشهاوي ليس مجرد شاعر كبير مُجيد، فهو قبل كل هذا “إنسان استثناء”، وربما هو الوحيد الذي يدعوه جُلُّ جيل شعراء الشباب “بابا الشهاوي”، ففيه الطيبةُ والطِّيب، وفيه الحكمة والنصيحة، وفيه الرأي والسداد…

وُصف محمد محمد الشهاوي بأنه “اللغة العربية تمشي على قدمين”، وحين تطَّلع على شعره تُدرِك أن اللغة العربية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من ذاته ونفسه وروحه وضميره، تجدها طيِّعةً ليِّنة في يده، وتجد القرآن الكريم مكوِّنًا رئيسيًّا لروحه المنسابة في تراكيبه وتعبيراته، فتصيبك دهشة الجمال وهو يقول لأصحابه:

“فادخلوا في فؤادي..

وادخلوا جنَّتي”.

وتراث “الجمال” العربي مكوِّن أصلي في شعر الشهاوي، فتجده يكتب الموشَّح الأندلسي كأنه قضى حياته في قصر الحمراء:

“في فِجاجِ السرِّ أو في العلنِ

رعويٌّ في المواجيدِ نشا

أيها الوجدُ الذي يملؤني

-منذ أن كنتُ صبيًا- دَهَشا

لي حبيبٌ حبُّه يأخذُني

-أبدًا- منِّي إلى حيثُ يشَا

هو محياي، وإنْ لمْ يَحْبُني

وردهُ إلا الجوى والعطشَا

كلما ناديتُهُ راوغني

آه لو يدركُ ما بي ذا الرشَا!

في منافيه اصطفَى لي وطني

مستجيبًا لدعاوِي مَنْ وشَى

هل درَى ظبيُ التجَنِّي أنني

مّنْ بصهباء سواهُ ما انتشَى؟

لم يقصِّرْ، لم يسوِّف، لم ينِ

خطوُ قلبٍ كم للقياهُ مشَى

فلماذا -يا تُرى- يهجرُني

وهو منِّي ساكنٌ كل الحشّا

أيها السارقُ -دومًا- مأمَني

إنهُ السرُّ -برغمي- قد فشَا

لم يعدْ يعرفُ طيفَ الوسنِ

جفنُ صبٍّ بالتباريحِ احتشَى

هكذا حالُكَ يا ابنَ الشجنِ

كلما الليلُ دجاهُ أغطشَا

ثم ما تفعلُ -يومًا- “ليتني”

لِجَوٍ قد حلَّ قفرًا مُوحشَا؟

بسواهُ السهدُ خِدْنًا ما عُنِي

وبهِ هولُ النَّوّى قد بطَشَا

ما كثيرٌ أنْ يُغَنِّي أرغُني:

مَنْ لمَنْ بالدَّمعِ -شَوقًا- أجهشَا؟”

وهو يعلم أن لكل شيء نهاية، وأن الدنيا -مهما كثر فيها الصاحب- دار سوء، هذا السوء الذي يسمِّم الأنفُس حتى تعاف النفوس الطاهرةُ الدنيا:

“مُتعَبٌ أنتَ.. والأوجه الماثلةْ

كلُّها قاتلة…

ولكنها حين ترحلُ

لن تستحي أن تحيطك بالدمع والحوقلة

مُتعَبٌ أنتَ يا صاحبُ

مُتعَبٌ.. مُتعَبٌ.. مُتعَبُ

والخلاص الجميلْ

في الزمان العليلْ

ليس غيرَ الرحيلْ

كيف للموتِ لا نطلبُ؟”

نعم، هو هذا الموت الذي تطلبه النفوس الطاهرة هربًا من سموم الدنيا، فلا يزيدها طلبها إلَّا حياةً وخلودًا، ولا يزيدها السم إلّا طُهرًا، ولا يزيدها الطلب إلّا طلبًا.

بارك الله في عمر أستاذنا وأبينا ونبيِّ شعرنا محمد محمد الشهاوي، وأبقاه خالدًا بيننا، وجعل سنواته السبع والسبعين سبعةً وسبعين نبراسًا، وزادها بركةً عمرًا وشعرًا، وزاد حبه في قلوب محبيه ومريديه.

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق