المنطقة الحرة

ملاحظات شخصية في الدراما القرآنية| (3) الرحلة والبطل

تامر عبد الحميد

ظلت قصة موسى والعبد الصالح -الذي يعتبره الكثيرون “الخِضْر”- من أكثر القصص إلهاما وإثارة للتساؤلات العقلية والدرامية، بناؤها وسرد الأحداث بها، وتلك العلاقة بين بطلي القصة: “موسى” النبي الكليم صاحب المعجزات وقاهر فرعون، وذلك الشخص الذي اكتفت القصة بالإشارة له بـ “العبد الصالح” الذي أوتي رحمة وعلما من عند الله.

 ورغم تلك الرحمة التي وصف بها في البداية، كان يفعل ما يبدو مناقضا -في ظاهره- لهذه الرحمة، وأذكر أن أحد الأسباب التي جعلتني ألتفت لما في هذه القصة من مستويات، تلك اللمحة العبقرية التي أوردها ابن عربي، عبر حوار تخيُّلي بين الخضر وموسى في نهاية الرحلة، حيث قال -والصياغة لي–:

وقال له الخضر: “يا موسى، لُمتني على ما فعلت أنت من قبل، وأذكِّرك إن كنت نسيت، استنكرت قتلي للغلام لأني قتلت نفسا زكية بغير نفس، وأنت حين استغاثك الذي من شيعتك على الذي من عدوك وكزت رجلا فقضيت عليه دون ذنب، ثم إني لما خرقت السفينة لأنقذ أصحابها من ملك ظالم، اتهمتني أني خرقتها لأغرق أهلها، وأنت أمك وضعتك في التابوت وألقت بك في اليمّ لتنقذك من فرعون ظالم، وما كانت تنوي إغراقك، ولما أقمنا جدارا لغلامين يتيمين يوشك أن يسقط في قرية لم يكرمنا فيها أحد، قلت لو شئت لاتخذت عليه أجرا، وأنت سقيت لفتاتين لا تتمكنان من الوصول للبئر دون مقابل، فحق لي أن يكون هذا فراق بيني وبينك”.

وبينما أتأمل في هذه القصة، لاحظت ذلك الخيط الرفيع الواصل بين قصة “رحلة موسى والخضر” وقصة “رحلة ذي القرنين”، خاصة أن القصتين متلاصقتان، لا فاصل بينهما، رحلة موسى مع الخضر حدثت على ثلاث مراحل، تماما كما حدثت رحلة ذي القرنين على ثلاث مراحل:

أ –

موسى والخضر:

قتل الغلام.

ذو القرنين:

اختار أن يعذب الظالمين من الناس وألاَّ يعفو عنهم.

ب –

موسى والخضر:

خرق السفينة (كانت في البحر المنبسط).

ذو القرنين:

وصل أرض “منبسطة” لا فيها تلال ولا جبال.

جـ –

موسى والخضر:

بناء الجدار.

ذو القرنين:

بناء السد.

هذه المقابلة المدهشة بين الرحلتين، جعلتني أستنبط أن قصة ذي القرنين ما هي إلا امتداد لقصة الخضر، لكن على (مقياس) أوسع، فالحالات لدى الخضر كانت فردية، أما ذو القرنين فقد كان يقوم بنفس الأمور، لكن في رقعة أكبر زمنيا ومكانيا وبشريا أيضا.

القصتان أشبه بمعالجتين دراميتين مختلفتين لنفس الفكرة، بنفس العناصر، إذا حُكيت عن طريق رحلة يتشاركها اثنان، سيكون التركيز على العلاقات بين الشخصيات وتأثير الرحلة على شكل العلاقة وبالتالي على أحد البطلين “موسى”، لكن إذا حُكيت كرحلة لفرد واحد، فإن الرحلة نفسها كـ “شخصية” تصبح مهمة، وتبرز ضرورة وصف عناصرها المختلفة بالتفصيل، فالرحلة هنا وحدها هي ما سيؤثر على البطل ويحكم تصرفاته.

تامر عبد الحميد

سيناريست وصانع أفلام مصري

اقرأ ايضا:

ملاحظات شخصية في الدراما القرآنية| (1) المعادل الموضوعي للبطل

ملاحظات شخصية في الدراما القرآنية|(2) «قرية» أم «مدينة»؟

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى