المنطقة الحرة

مولد

عنقك مشرئبة لآخرها، فاهك فاغر حتى السقوط بين ترقوتيك، عيناك مفتوحتان على اتساعهما، معلقتان بصفّين شاهقين من الجلابيب البيض، على قمتها تتمايل الرؤوس، تمايل غابة من شجر، مجذوبة بين عاصفتي رياح متخاصمتين.. تعصف بها الرياح يمنة فتشخص جميعا تجاهك بعيونها الغائمة، تسحبها الرياح يُسرة، فتشخص في اتجاه آخر.. تتابعها.

شيماء النجار

تراقب الليل والنهار، دوران عقارب الساعة اللانهائي، طواف الحجيج، دوران الأرض حول الشمس وحول نفسها، الأيون حول نواته، جميعها ومضات تشعّ في سماء عقلك، بينما أنت غارق في دوامة التنورة الأبدية البيضاء.. ثلاثة أصابع جافة تقبض على أذنك اليسرى تعتصرها بينها، تسحبك منها على طول حارة كاملة، تتوقف الأرجل الأربع على باب الكتّاب، تسحب أذنك من بين قبضة أصابعها بقوة، فتصيح بوجهك في تحفز كامل:

– ما الذي دهاك؟ كيف تهرب من كتّاب الشيخ وتتلاشي وسط المولد؟! ألا تريد معرفة ربك ودخول جنته؟!

– لم أر ربًا داخل الكتّاب، ولم أجد سوى عصا الشيخ، ولم ألمح لها من جنة تُدخل، بل لهيب الجروح التي تخلفّها على جسدي في كل مرة!

لكنني كنت أرى العالم تتقافز عناصره في تناسق، ثم تغزل في نسيج دائري واحد أمام ناظري، في رقصة الدرويش، كنت أدرك أن ربا واحدا قائما على كل شيء، وكل شيء قائم به، وكنت أدخل الجنة وأشرب خمرها في جلسة الذاكرين.

تقبض على كلتا أذنيك، تتجاوز بك عتبة الكتّاب مجرورًا كذبيحة، تلقي بك وسط كومة الأطفال، ثم تدس في حجر الشيخ رغيفي خبز، وثلاث قطع لحم، تلفّها ورقة الجرنال القديمة بشكل أسطواني، تربّع ذراعيها أمام صدرها، ثم تفرج عن صرير رفيع الصوت تعمدت ارتفاع نبرته:

– لقد كفر يا سيدنا الشيخ ويجالس الدراويش.. إن لم يُجد القراءة معك، كسّر عظامه، قطّع من لحمه، اعتبره ابنا لك وأدّبه.

تلف وجهها صوبك، تحرقك بنظرة ثاقبة، فتتسلق عيناك كومة الأطفال في توسل لها، تدير ظهرها إليك.. ثم تنصرف.

شيماء النجار

اقرأ أيضًا:

الزواج ليس الجنس ولا الأمومة

الطوق الفراشة 

تطلقوا تصحّوا

لماذا لم أعد أصلي

كيف غير الشيبسي بالخل حياتي؟

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى