المنطقة الحرة

هي أشياء لا تُشتَرى

عاطف حسانين

هو “أمل فهيم أبو القسام محارب دنقل”.. أو قُل إن شئت، “أمل دنقل” كما كانوا يطلقون عليه.

 أما أنا فيحلو لي أن أطلق عليه “أمل محارب”، نسبة إلى جد أبيه، وإشارة إلى حقيقته وبيانه، وما لاقاه من أسى، وما واجهه من مواقف كإنسان وشاعر، فقد كان أملا وكان محاربا>

عند السنة العاشرة من عمره، وجد نفسه وحيدا دون أب في مواجهة الحياة، بل ومسؤولا عن أمّه وشقيقيه، فكان لهم أملا وخاض من أجلهم حربا مع تصاريف الدنيا، وتقلبات الأيام، حربًا كان فيها نعم الفارس البار بأهله، ولأن البيت الصغير هو جزء من البيت الكبير الذي يُدعى الوطن، فقد عاش أمل معركته الكبيرة من أجل الوطن، ممسكا بالكرامة والحرية علمًا يرفرف على قمم العزة والشرف؛ فقاتل بالعمل، وقاتل بالكلمة، حتى أشد الأمراض فتكا بالإنسان –السرطان- حين استوطن جسده النحيف، قاتَله لأربع سنوات بالصبر والأمل والحكمة والحب. هل ترى..؟ هي أشياء لا تُشتَرى.

لا أدّعي أنني سأكتب عنه الكثير، ربما لأن الكلمات تعجز عن وصف شاعر صادق لم يتلون شعره ليُعجب السُّلطة، ولم يُصبَغ يوما إلا بصبغة الحق، فالشعر كتابُ الشعراء، وسيرتُهم الذاتية، الشعر خبزهم وملح طعامهم وماء حياتهم، غير أني سأتناول جانبا واحد من جوانب شخصيته الفريدة، كمحارب ثائر، وكثائر عاشق، وكعاشق مفتون بالحرية والعدل. هل ترى..؟ هي أشياء لا تُشتَرى.

الثائر العاشق

مقطع واحد كفيل أن يشرح للقارئ سر خلود الكلمات، وسر النبل وسر الفروسية في شاعرنا الفذ، حين يقول:

كيف تكون أميرا في شعب يحيا في الظلم وفي الذلة؟

-ماذا يمكنني أن أفعل ؟

ماذا يمكن أن تفعل؟

ارفع سيفك في وجه المحتل

ماذا يمكن أن تفعل؟

لا ترغم شعبك أن يدفع تمن الذل

ماذا يمكن أن تفعل؟

حارب أعداء الوطن وأعداء الحرية

من أجل الوطن الأجمل

ماذا يمكن ان تفعل؟

اقتُل

كي يأتي زمن لا يُقتل فيه الأطفال

كي يأتي زمن لانَخجلُ فيه من أنفسنا

أنا سلّمنا وطنا محتلا للأجيال

 

هكذا كان شاعرنا، صعيديا زارعا لا يترك فأسه عند الحرث، ومقاتلا بطلا لا يترك سيفه عند المواجة، مهما كلّفه الأمر، ولأن السيرة الحسنة كشجرة الزيتون لا تنمو سريعا ولكنها تعيش طويلا، فقد عاشت سيرة شاعرنا وستعيش بإذن الله طويلا؛ لأنه كما قرأنا له وقرأنا عنه يأبى كمحارب ثائر أن يلقي سلاحا، أو يُسلم وطنا محتلا للقادم بعده، يأبى أن يموت على فراشِه كما يموت البعير، تاركا خلفه ثأرا تتحمله الأجيال القادمة فيهلكها ميراثُ الذل؛ فاختار أن  يموت في ميدان معركة تنطق بالحرية، وتعلو قيمتها على قيمة الحياة نفسها؛ فيهون فيها بذل الروح. هل ترى..؟ هي أشياءٌ لا تُشتَرى.

ورحل “محارب”

وبعد ما يقرب من أربع سنوات قضاها في الغرفة رقم “8” بالمعهد القومي للأورام، وفي صباح 21 مايو لعام 1983م يأتيه الموت من كل مكان، فيسلم وجهه لله ويرحل في صمت مهيب، رحل الجسد الذي أضناه السهر والقلق والمرض والحب. رحل الإنسان، ولم ترحل كلماته الصادقة الصافية كقلبه العفيف، غاب ولا تزال “لا تصالح” رغم مرور السنين تتردد على ألسنة أجيال عاشت الصُّلح ولم تُصالح! لأنها لم تجد فيه إلا ما توقع شاعرنا الكبير، توارى الطائر المغرد عن العيون، وبقي صدى شدوه الأخّاذ يتردد في الآفاق. فالكلمة حين تكون ورودا للحب، وسلاح للحق، وضياء للروح، تأبى أن يطويها الموت؛ فتبقى أطول عمرا من صاحبها، وليبقى صاحبها حيّا في كلمات.. هل ترى؟ هي أشياء لا تُشتَرى>

عاطف حسانين

اقرأ أيضًا:

اكتب صح يطلق مصححا أوتوماتيكيا للغة العربية

أهم 5 كتب لمعرفة الأخطاء اللغوية الشائعة (متاحة للتحميل)

أفضل كتاب لتعليم الإملاء (متاح للتحميل)

51 كلمة قرآنية تُفهم خطأ

ألف الوصل وهمزة القطع.. (6) إنفلونزا أم أنفلونزا؟

كيف ننمي اللغة العربية لدى أطفالنا؟

ما الـ Thesaurus؟ وهل توجد في اللغة العربية؟

تأنيث أسماء الدول وتذكيرها

فيديو| كيف تصبح محرر ديسك 3

استقالة القاضي السحيمي.. لماذا كل هذه الضجة؟

بخطوات بسيطة.. كيف تحوّل العامية إلى فصحى؟

4 مهارات أساسية لإتقان اللغة العربية

صور| نشرة أخبار الأخطاء – الجمعة 27 نوفمبر

الوسوم
أظهر المزيد

حسام مصطفى إبراهيم

مؤسِّس مبادرة (اكتب صح) ورئيس تحرير الموقع

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق