المنطقة الحرة

مدرسو اللغة العربية والأدب العربي .. أحبابي

إبراهيم عادل

أكثر ما أردده حينما يسألني صديق عن التحاقي بكلية “الآداب” قسم “اللغة العربية” أني اكتشفت منذ فترة مبكرة أني أحب الأدب العربي، ولحب الأدب  في نفسي حكاية قديمة ذات فصول عديدة أتذكر بعضًا منها ويسقط من ذاكرتي البعض الآخر.

ولكن أهم ما أذكره أن ثمة معلمين كان همهم الأول أن يبثوا في نفوسنا “حب العربية” منذ نشأتنا الأولى، أذكر تحديدًا في المرحلة “الإعدادية”، كنّا يومها في “السعودية” وكانت المرحلة الإعدادية تُسمى “المتوسط” ، وانتقلت في تلك المرحلة بين أكثر من مدرسة، وكان الغريب أن مدرسي العربية فيها يجتمعون على محبتها، والاعتداد بها، ربما يرجع ذلك لشعورهم أنها شيءٌ يخصهم، فقد كان المدرسون الوافدون يتخصصون في بقية المواد، أمّا “العربية” فهي حكر على المدرسين السعوديين، وكان الأدب العربي محط اهتمامهم بالطبع، بل أذكر أن أحد المدرسين في “متوسطة عيون الجواء” أعجبه إلقائي الشعر في الإذاعة المدرسية، فقرر أن يقدمني إلى المسابقة التي تنظمها المحافظة وكنت “المصري” الوحيد بينهم، يومها حفظت قصيدة “أبو البقاء الرندي” ( في رثاء الأندلس) ولازلت أحتفظ في ذاكرتي بأبياتٍ منها .. تلك التي تقول:

 لكل شيءٍ إذا ما تم نقصان .. فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دولٌ .. من سرّه زمنٌ ساءته أزمان

 وهذه الدار لا تبقى على أحدٍ .. ولا يدوم على حالٍ لها شان.

لم تكن مسابقة المدرسة والإذاعة المدرسية وحدهما ما شجعني على الاهتمام باللغة العربية والأدب معًا، بل كان أستاذي في المرحلة المتوسطة تلك، يعلم شغفي بالذهاب للمكتبة في “الفسحة” وتأخري هناك وحيدًا، وحينما أعود متأخرًا لا يسمح لأحدٍ بالدخول إلا إذا أكمل بيتًا يبدؤه هو، فيقول مثلاً:

أبني إن البر شيءٌ هينٌ.. من  يكمل؟ وكنت أكمل البيت (وجه طليقٌ وكلام لينُ) لإني أكون قد سمعته منه مرة أو مرتين في إحدى الدروس، وكانوا يولون اهتمامًا شديدًا بأبيات “الحكمة” التي يسهل حفظها وترديدها، حتى أني أذكر أن مدرسة أخرى التحقت بها لمدة نصف عام فقط، كان معلم العربية فيها يتباهى بأن تلاميذه يحفظون أبياتًا كثيرة من الشعر، وكنت أحاول أن أكون مثلهم فأقضي شطرًا من النهار في مكتبة المدرسة قارئًا لمختارات شعرية من كتب تراثية عديدة “كالأغاني” و”سير أعلام النبلاء” وغيرها ..

 كل هذا وأكثر جعلني شغوفًا باللغة العربية، وعالمها الثري الجميل، ولاشك أصبح يتردد أمامنا كثيرًا قول حافظ إبراهيم ـ رحمه الله ـ

أنا البحر في أحشائه الدر كامنٌ .. فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي؟!

دخلت كلية الآداب، حاملاً ما ورثته عن مدرسي اللغة العربية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وهناك تعرفت على أساتذة عظام بحق، جعلونا ندور حول المعاني والكلمات، ونحاول أن نبحث دومًا عمّا يجعل الأدب أدبًا، فكان منهم أستاذنا الناقد الكبير الفاضل “سيد البحراوي” الذي لازلت أذكر دراسته العظيمة (في البحث عن لؤلؤة المستحيل) لقراءة ونقد قصيدة “أمل دنقل” “مقابلة خاصة مع ابن نوح”، والتي كانت مرشدًا لنا لقراءة الشعر قراءة مختلفة وجادة، وكذلك أستاذي الناقد الجميل “سامي سليمان” ومحاولاته الدؤوب لجعلنا نفكر أثناء القراءة وكيف نستنبط مقاصد الكتابة وطرقها الجمالية التي تشكل عالمًا أدبيًا خاصًا وفريدًا ..

 إبراهيم عادل

اقرأ ايضًا:

الأستاذ هاني وردة

وصرخت ميس صافيناز

رسائل الغياب

لماذا لم تعودي يا ميس شيرين؟ 

المدينة البعيدة

كساحر خفيف اليد

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى