المنطقة الحرة

الزواج من أجل خاطر محمد حسنين هيكل!

حسام مصطفى ابراهيم

كِدتُ مرةً أتزوّج بسبب محمد حسنين هيكل!

في الجامعة، تعرّفت تلك الفتاة السمراء اللطيفة، من خارج كلّيتي، علاقتنا كانت عابرة في البداية، وكذلك لقاءاتنا، حتى اكتشفتُ أن والدها الراحل يملك مكتبة هائلة تضجّ بالكتب، فبدأت أوطّد علاقتي بها أكثر، وأقترض منها بعض كتبها.

كانت الكتب مدهشة، ومتنوّعة، وقادرة على إسالة لعاب أي دودة كتب قديمة مثلي!

ومع كل كتاب آخذه منها، أشعر بالضعف تجاهها أكثر، وبأنه يمكن، من أجل خاطر الكتب، أن يكون لعلاقتنا مستقبل ما، حتى انهرتُ تمامًا عندما بدأتْ تحضر لي كتب الأستاذ: ملفات السويس، وأكتوبر 73، والمفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل، خصوصًا عندما طلبتْ استعادتها!

وفكرت جديًا أن أضع حدًا لوجع القلب هذا، وأتزوّجها، وأتزوج الكتب معها!

أما علاقتي الحقيقية بهيكل، فبدأت قبلها بسنوات، عندما كان والدي يحرص على قراءة مقالات الأستاذ في الأهرام، وتمريرها لي، لم أكن وقتها أفهم كلّ ما يقول، لكن أثارت انتباهي بشدة لغته العربية القوية السليمة، وتشبيهاته التي تناسب الأحداث تمامًا، وتعلّمت لأوّل مرّة أنه ليس الأديب وحده، ومَن يكتب القصة والرواية والشعر، من ينبغي لهم أن يتقنوا عربيّتهم، وإنما كل من يسعى لترك أثر في نفس قارئه، أيا كان الفن الذي يعالجه.

كنتُ أنظر لهيكل بإكبار، ودهشة، وانبهار، مِن كمّ الوثائق السرية والعلاقات والأحداث التي يفك مغاليقها، وأحجام الكتب التي يؤلفها، حتى إن لم يتحقق الكثير من نبوءاته، وأتعلّم على يديه “سبك” الحكي، والتسلسل المنطقي للأحداث، و”النَفَس الحلو” في الأداء، والاهتمام بكل تفصيلة وشاردة وواردة، وتوثيقها.

 صحيح أنني عندما كبرت، أصبحتُ أكثر قدرة على نقد ما يكتب، والاختلاف معه –ومع غيره- أحيانًا، وهي سنّة الحياة، لكنه ظلّ أبدًا في ناظري، ذلك الكاتب الكبير الذي عاش ورأى وحكى وكشف، وصنع صورة مغايرة ومحترمة للصحفي، وشارك في صنع التاريخ، حتى إن لم يبح سوى بأقل القليل، وأخفى الكثير، مما كان يمكن أن يغيّر أوضاعا كثيرة في مصر.

أحبّ هيكل الكثيرون، وكرهه الكثيرون، لكن جميعهم لم يستطيعوا تجاهل الرجل، ولا عدم الاعتراف بأنه حالة فريدة في تاريخ الصحافة المصرية، وربما العالمية.

والآن، بعد نزول كلمة النهاية، وصعود روحه إلى بارئها، أتمنّى أن يعاد تقييم الرجل بصدق، وفق منجزه الصحفي والأدبي والتاريخي والإنساني، بعيدًا عن حفلات أكل لحمه ميتا، والصعود على جثته أمام عدسات الفضائيات، والاستئساد الذي غاب عن الكثيرين في حياته، لأن الأكثر أهمية من محمد حسنين هيكل، ومن أي أحد: الدرس الذي نخرج به من رحلته، ونتعلّمه، كي نعلّمه للآتين من بعدنا.

اقرأ أيضا:

لماذا لم أعد أصلي؟

الزواج ليس الجنس ولا الأمومة

حسام الآخر

صاحب بيت وأكثر

فقط.. عش

تطلقوا تصحوا

المقال الأكثر قراءة

عدالة السماء

تمرير الحياة من وريد الموت

لماذا كرهنا صباح؟

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
شارك