المنطقة الحرة

الفناءُ في الذات الشاعريّة

حاتم الأطير - اكتب صح

في ليلة صيفية عام 2013، على مقهى بقلب القاهرة، جالسًا كنتُ مع رفاقِ المجازِ ودراويش الكنايةِ، كانتْ تلك الليلة ذاتَ مذاقٍ شهاويٍّ، إذ الأعمال الكاملة للشاعر محمد الشهاوي قد صدرتْ عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، كان أغلب الحضور مُمْسِكًا بمجلدات الشهاوي الأربعة، والكلُّ يقرأُ للكلِّ، أخرجتُ هاتفي وهاتفتُ الشهاوي وقلتْ له: (الشباب هنا متحمس لتجربتك والجميع يحتفي بصدور أعمالك الكاملة )، فقال لي بصوته الدافئ: (يارب يا ولاد!).

من هنا عرفتُ ما يعنيه الشعر لهذا المغنّي العارف، وأي رهبةٍ تلك قد أحاطتْ بجوارحه، كأن محكمة تاريخية قد انعقدتْ وهو يتصبب عرقًا في انتظار قرارها.

( يارب يا ولاد ).. إنها تلقائية الفتى المُتْعب، وحِرْصُ المسافر من ” عين الحياة ” إلى عين الأبجدية عبر أكثر من سبعين قافية ملؤها الدم والحياة.

( يارب يا ولاد ).. إنها واللهِ جوهر الضمير الأدبي، وشهوة الجمال المُخلّد، إنها ملائكيّة المريد السائل ووهج الشيخ المسؤول، إنها باختصار حقيقة الشاعر محمد محمد الشهاوي. 

ينتمي الشهاوي إلى جيلٍ أدبيٍ له مناخ خاص، كان الرفض شمسه الطالعة في كل وجدان، وكان الرمز رياحه الآتية من أعماق السجون والمعتقلات، فاشتبكَ مع الراهن بكل تفاصيله وجسّد الواقع تجسيدًا شاعريًّا موجعًا كما هي الحال في ديوانه الشهير (مسافر في الطوفان)، لكنه مع ذلك قفز بشاعريّته بعيدًا عن الآني واللحظي تاركًا لطبيعته الصوفية كامل حريّتها في الغناء، كما هي الحال في (الكونية ومرايا الذات) و (إشراقات التوحد)، لقد أحب الشهاوي الشعر بما تعنيه لفظة حب، لما لا وقد خاطب الشعر والشاعر في أكثر من نصف أعماله تقريبًا! أحب الشعر حد أن صار ذاتًا صوفيّة تحل فيه ويحل فيها، لقد تاه الشعراء الصوفيون في الذات الإلهية، والشهاوي في ظني قد تاه في الذات الشاعرية، فهي كنه صوفيته، حتى إن قصيدة عنوانها “السهروردي وديمومة التجدد” تجد الشهاوي يقول فيها:

يا أيُّها الشِّعْرُ / يا تاجي ومَمْلكتي

وثَرْوتي، وادِّخَاراتي، وأرصِدَتي

وصَوْلجاني، وإيواني، وأوْسِمتي

وعُدَّتي، وعتاداتي، ومَعْمَعتي

وآيتي، وابتكاراتي، ومُعْجِزَتي

وَخمرتِي، وانتشاءاتي، ودَنْدَنَتي

فناءٌ جديدٌ إذن أسّسَ له الشهاوي عبر كتاباته، فناءُ الشاعر في الشعر، وهوىً جديدٌ إذن أشار إليه الشهاوي، هوى الأبجديّة، وهو باب الولوج إلى تجربة هذا المجذوب الظامئ.

لقد دكَّ الشهاوي حصون القاهرة المنيعة من قاعدة أحلامه بكفرالشيخ! ذلك أنه ككلّ أبناء الأقاليم شمالًا وجنوبًا، نادته القاهرة بصوتها الساخن فاصطدم بجحيم العاصمة الأبدي لكنه في الأخير آثر البقاء بموطنه كزهرة لوتس جميلة رفضت أن تهاجر، الأمر الذي لم يحرم صراخه من الضوء، مُدلّلًا بذلك على أن القيمة لا تعرف المركزية، وأن الإبداع لا يمكن للجغرافيا أن توقف زحفه نحو الأجيال المتعطشة لكلِّ جميل.

حاتم الأطير

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى