المنطقة الحرة

في رحاب العم سام (3).. عن الرأسمالية المتوحشة أتحدث 

محمد علاء

من المعروف أن النظام الاقتصادي لأي دولة يؤثر بشكل مباشر على شكل ومستوى معيشة الأفراد داخلها، وأن هناك أشكالا مختلفة من الأنظمة الاقتصادية التي تعتمدها الحكومات لتسيير أمورها، والبحث عن راحة الشعب وتلبية احتياجاته في دول أخرى، وهناك 4 أنظمة هي الأكثر شهرة وانتشارًا في العالم ، هي: (الرأسمالية- الاشتراكية- المشترك بين الرأسمالية والاشتراكية- المهلبية)، لكني حقيقة لم أشعر يومًا بتأثير النظام الاقتصادي على حياتي كمواطن بسيط لسبب يبدو واضحًا جليًا.. نعم هذا صحيح، لأني عشت معظم أيام عمري داخل سلطانية المهلبية!

وبما أننا في هذه السلسلة نحاول أن نأخذ الدروس والعِبر من مجتمع ناجح، ونفهم أسباب تقدمه وتخلفه، فدعونا نأخذه مجددًا مثالًا لكيفية تطبيق النظام الاقتصادي، رغم أن الولايات المتحدة هي المثال الحي دائمًا للرأسمالية المتوحشة، ويشتهر نظامها في العالم بأنه نظام مادي جامد، لا يتحدث فيه سوى لغة المال، ولا يعترف بالمشاعر، ويفرم أي شيء في طريقه.

نعم عزيزي القارئ فأمريكا دولة رأسمالية بحتة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ورغم أني لست خبيرًا اقتصاديًا ولن أكون، فإن أن الأمر لا يحتاج خبراء كي تستوعبه أو تحلله، فهم “حرّيفة” في سحب الأموال من جيبك دون أن تشعر، ولديهم قدرة ساحرة على توفير كل سبل الراحة والدلع لـ”الزبون”، كي يضيّع كل ما يمتلكه من أموال بنفس راضية ودون أن يشعر بقيمة ما فقد.

ويكفي الاختراع الشيطاني الذي ابتدعوه وانتشر كالنار في الهشيم حول العالم والذي يدعى البطاقات الذكية أو “ATM” أو كما يسمونها هنا “Debit Card”، والتي حولت الأموال التي يتعب الناس في جمعها، إلى مجرد أرقام على شاشات الكمبيوتر، وبضغطة زر، تتحول الأموال من حسابك إلى حسابهم، دون أن تحس بأن ما تملكه نقص، أو أن الأوراق في جيبك قل عددها فتتراجع عن الإنفاق.

صحيح وكما ذكرت سابقًا أن اللغة الوحيدة المفهومة هنا هي لغة المال وأن الرأسمالية تسيطر، ولكن كلمة واحدة من الممكن أن نتوقف عندها، ونعيد التفكير فيها مرات، وهي أنها ليست متوحشة! 

لكن كيف؟

في بلاد تحترم شعوبها وتضع الفقير وكبير السن ومحدود الدخل وذا الاحتياجات الخاصة على رأس أولوياتها، يصعب علينا أن نصفها بالمتوحشة حتى وإن كانت كذلك، فمع الاعتراف بأن رأس المال هو المتحكم، فإن الرقابة حاضرة أيضًا، ومع أن ملكية كل شيء تقريبًا للقطاع الخاص، فإن يد الدولة دائمًا هي العليا، ولا يوجد من يستطيع أن يلويها.

ورغم أن رجال الأعمال هم من يخططون شكل السوق في معظم المجالات تقريبًا، فإن القانون أيضًا حاضر وهو سيف على رقاب الجميع، الكبير قبل الصغير، ويا ويل من يحاول التلاعب به أو القفز من فوقه، أو خرقه عمدًا أو بغير عمد.

شخصيًا لا أتذكر على مدار الـ20 عامًا الماضية على أقل تقدير أن هناك سلعة ارتفع سعرها في ظروف معينة، ثم عاد هذا السعر وانخفض بعد أن زال السبب، ولا أتذكر أنه كان هناك توضيح واحترام للشعب لبيان أسباب هذا الارتفاع ومدته وكيفية ضبط السوق، حتى لا يترك المستهلك فريسة لمعدومي الضمير –وللأسف ما أكثرهم هذه الأيام- أما هنا في دولة الرأسمالية التي لا ترحم، فلا توجد سلعة لها سعر ثابت، فعلى سبيل المثال لا الحصر سعر البنزين هنا من الممكن أن يتغير يوميًا والسعر يوضع على لوحة المحطة من الخارج، وتجده يومًا مرتفعًا وببساطة جدًا ينخفض في اليوم التالي، لارتباطه بسوق وأسعار البترول العالمية.

هذا مثال واحد، لكنه يكفي لإيضاح الصورة بخصوص شعور المواطن أو المقيم بأنه موضوع في الاعتبار وله احترامه، فيجعله غير ناقم ومتقبل للتقلبات ومستوعبها أيضًا، وأن من وضع فيهم ثقته ليديروا شؤونه يعملون بالفعل لمصلحته وليس لتعذيبه وتحويل حياته إلى جحيم.

هذا وجه، لكن هناك وجهًا آخر، هو الأكثر أهمية، فكلمات مثل أن المواطن له الحق في المسكن والمأكل والمشرب والعلاج والتعليم، ليست مجرد كلمات فضفاضة يستخدمها كبار المسؤولين في خطبهم الرنانة، لكنه واقع يحياه الناس كل اليوم.

فلا توجد حاجة من الاحتياجات الإنسانية الأساسية ترك فيها الشعب فريسة للنظام الرأس المالي، ورجال الأعمال الذين يبحثون في المقام الأول عن الربح.

فالعلاج هنا والأدوية من أكثر الأشياء تكلفة، لذلك فإن التأمين الصحي يعد فرضًا على كل من بداخل حدود الولايات المتحدة، حتى يتم توفيره مجانًا للجميع، كما أن هناك بدائل مجانية حكومية، كذلك الأمر في المدارس والمنظومة التعليمية بشكل عام حتى لا يحرم منها أحد.

الأمثلة كثيرة في كل المجالات، لكني سأختار أحدها نظرًا لأني عايشته بنفسي هنا وهناك وهو الخاص برعاية الأطفال الصغار، فنجد في أمريكا أن علاج وتغذية الأطفال الصغار حتى سن معينة مسؤولية الدولة تماما، دون أن تتحمل الأسرة سنتًا واحدًا، ولا أحتاج بالطبع للتذكرة بأننا في هذا الموضع نتحدث عن أسرة أجنبية عربية مسلمة، لكن الحقوق للطفل بصفته الإنسانية وليس بالجنسية التي يحملها هو أو أحد والديه.

وهنا أتذكر أني علمت ونحن لا نزال في أم الدنيا أن من حق الأسرة الحصول على عبوة لبن صناعي مجانية –شهريًا- من الصحة التابع لها الطفل، وقلت لنفسي ولم لا أحصل على حقي الذي كفلته لي الدولة؟ وجاءتني الإجابة التالية: أولًا ابنتك ولدت في منطقة مختلفة عن المنطقة المذكورة في بطاقتك الشخصية، وعليك الذهاب أولًا للمكتب الذي تتبعه أنت، وانظر ماذا سيقولون لك، ثم علينا قبل الصرف التأكد من عدم قدرة الأم على الرضاعة الطبيعية، وذلك بالوقوف في طابور أوله هنا وآخره لا يعلمه إلا الله تحت شمس الظهيرة، للكشف عليها، وفي النهاية نحن غير متأكدين أنه يوجد لدينا عبوات كافية للجميع!

بالطبع، قرّرت التنازل عن حقي والانتقال للبحث عن اللبن المدعم في الصيدلية، فجاءتني الإجابة أنه لا يوجد إلا في أول أيام الشهر، ولا يسمح لك إلا بشراء عبوتين فقط، وماذا لو أردت شراءه دون دعم؟ نفس العبوة ذات الـ7 جنيهات مع الدعم يمكنني توفيرها لك فورًا بـ55 جنيهًا وبالكمية التي تريدها!

لا يوجد ما يقال بعد ذلك، لكن الختام لا بدّ أن يكون بمجموعة من الأسئلة الوجودية التي أحلم أن تجد يومًا مجيبًا.

– هل تطبيق القانون واحترامه وفرضه على الجميع في حاجة لإمكانيات؟

– هل فرض رقابة حقيقية وتفعيل دور الدولة لحماية الشعب له علاقة بأن تلك الدولة غنية وهذه فقيرة؟

– هل إيقاظ الضمائر وتنفيذ المسؤول لمسؤولياته هو المستحيل الرابع؟

– هل الإحساس بالناس لا سيّما المستضعفين يحتاج إلى عقود من البحث عن الحلول؟

– هل التخطيط الصحيح ومعرفة من نحن وماذا نريد، وكيف نفعل، صعب إلى هذه الدرجة؟

– إلى متى سنظل غارقين في المهلبية التي قطعت أنفاسنا؟

لم نضغط يومًا على بلادنا، فنحن ملوك التكيّف والتعايش تحت أي ظروف، ونستطيع توفيق أوضاعنا بما بين أيدينا وإن كان لا يذكر، ولكن عندما تكون الحلول أمام أعيننا مثل الشمس في كبد السماء ودون أن تكلف شيئًا، ولكن القلوب الغليظة والأعين التي أعمتها الضمائر الميتة تمنعها، لكن التحمل معها لن يطول.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

اقرأ أيضا:

في رحاب العم سام (1)

في رحاب العم سام (2)

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى