المنطقة الحرة

المدينة البعيدة..

ذكر النحل

ينطلق كسهم نافذ خارج بلدته.

في القطار تراوغه جيوش الأسئلة لمحاصرته.. لكنه يستطيع بلباقة التملّص منها، منجيا نفسه من التفكير.

تستقبله المدينة البعيدة، بكل ما أوتيت من جاذبية، قبل أن تُسلمه عمله، أو تسلمه هو إلى عمله الجديد.

في اليوم الأول..  كان يريد مشاهدة أمواج البحر التي تلوح له عبر النوافذ الزجاجية عن قرب.. لكنه ظل يعمل.

في اليوم الثاني.. أراد أن يذهب إلى الممشى الذي حكى له أصدقاؤه عنه.. لعل التمشية تصفّي ذهنه قليلا وتحسّن حالته.. أو لعله يتعثّر هناك بحب تائه لا شريك له، لكنه ظل يعمل.

في اليوم الثالث.. كان بالكاد يعمل.. ربما تلاشت صورتا البحر والممشى من مخيلته، وافترشت صورة فِراشه عقله كله.. وأصبح كل ما يطمح إليه أن يأوي إليه “وحيدا”.. لكنه ظل يعمل.

هل مضى أسبوع كامل من العمل حقا؟!

في آخر اليوم،  أخيرا يتوقف كل شيء.. وينتهي الكابوس بشكل مؤقت، لكنه لا يذهب إلى البحر ولا إلى الممشى، إنما إلى حجرته الباردة، يتكوّر حول نفسه فوق الفراش.. ثم يبكى بكاء جنين خرج لتوه من رحم أمه.. مذعورًا.

أنين ثم بكاء حارق وعويل، ولا فكرة واحدة تدفع هذا الصخب إلى الأمام.. هو نفسه لا يعلم تحديدا فيما ثورته… أسبوع كامل من العمل.. تتفلت الكلمات بتكرار من بين شفتيه وهو يتنفس بسرعة وصعوبة معا.. أسبوع.. كامل.. من العمل يحاول جاهدا أن يهدأ.. فتظل أنفاسه تعلو وتخبو بصوت مرتفع.. ثم تهدأ لثوانٍ، قبل أن تنفجر برأسه خزائن الأسئلة.. فيظل يصرخ في صمت داخله..

لماذا يجب عليّ أن أفقد شبابي حتى أكسبه؟!

لماذا يجب عليّ أن أميتني حتى أُحييني؟!

ولماذا لا تكتفي هاته النسوة العجائز بامتصاص عسيلة شباب بلادهن، عوضًا عن امتصاص شبابنا نحن هنا؟

ولماذا تقطعن كل هذه البلاد والمحيطات من أجل ذلك فقط؟!

أسبوع كامل من العمل…

اقرأ أيضًا:

مولد

الطوق والفراشة

الباب

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى