المنطقة الحرة

في اليوم العالمي للغة العربية.. سلامًا على البلوفر الممزق

إنجي إبراهيم

عاشت أمي حياتها كلها –تقريبًا- امرأة عاملة، موظفة بهيئة الاتصالات، أتذكر جيدًا زمنًا كانت تمتلك فيه ثوبين، أحدهما سماوي اللون والآخر زيتوني قاتم، في الشتاء كانت ترتدي تحتهما ثيابًا ثقيلة، وهكذا كان الثوبان ثروة خزانتها، في حين كنت أمتلك أنا وأختي ثيابًا كثيرة، نرتدي بعضها ونتذمر من بعضها الآخر، ويظل حبيس الخزانة لا يرى الشارع أبدًا حتى تقرر أمي أن “تديه لصاحب نصيبه”.

ما علاقة هذا باللغة العربية ومدرسي اللغة العربي واليوم العالمي للغة العربية؟

عندما طُلب مني أن أكتب عن مدرسي اللغة العربية الذين مروا علي، اعتصرت ذاكرتي جاهدة أن أتذكر أيا منهم، تذكرت مدرسات ومدرسين كثر، وفشلت تمامًا في تذكر أي وجه له علاقة باللغة العربية، تذكرت فقط أنني كنت أقوم بحساب درجاتي المتوقعة في امتحانات اللغة العربية دون احتساب الخمس عشرة درجة الخاصة بالنحو، رغم أنني كبرت وأصبح اللعب مع اللغة العربية “أكل عيشي”، لكن علاقتي بالنحو والصرف والقواعد كانت -وما زالت- علاقة يشوبها الكثير من التوتر.

تذكّرت فيما تذكرت، بضعة مشاهد متفرقة لمدرسي اللغة العربية في حياتي، مثل “ميس زينب”، مدرّستي في الصف الأول الإعدادي، لا أتذكر أي شيء عنها متعلقا باللغة العربية، ولا أتذكر أصلًا سوى مشهد واحد فقط، وهي تجلس فوق مقدمة إحدى “الدكك” وتسأل سؤالًا أعرف إجابته، فأرفع يدي هاتفة “ميس ميس ميس” بتكرار مثير للأعصاب، هنا يجب أن نذكر أن نظري كان ضعيفًا ولم أكن أرتدي عوينات، فلم أر ملامح وجهها المتصلبة تجاهي في غضب، فاستمررت في النداء عليها بنفس الإصرار حتى ثارت وانفجرت في وجهي.

أتذكر أيضًا “ميس سعاد” مدرستي في الثانوية، كانت شابة في منتصف الثلاثينيات غير متزوجة، تعاني من شيء ما في كف يدها اليسرى، كانت خفيفة الدم جدًا صاخبة، لا تفقه أي شيء في التدريس، ثم تزوجت فجأة وأصبحت أكثر هدوءًا وأقل صخبًا، ولكنها ظلت لا تعرف كيف تقوم بالتدريس، رغم أنها ربما كانت تعرف اللغة العربية جيدًا.

أما “ميس وفاء”، فلا أذكر اسمها الكامل، وإن كنت أود لو عرفته، لأخبرها أنني أفهمها تمامًا، وأراها جميلة جدًا، رغم مظهرها غير المهندم.

كانت “ميس وفاء” مدرسة عادية، لا أذكر عنها عبقرية خاصة، بالأحرى لا أذكر عنها أي شيء سوى حديثها المتواصل عن ولديها الصغيرين، بل لا أدري إن كان لديها ولدان فعلا، أم أن عقلي اختلقهما، ليبرّر المشهد الذي لا أستطيع نسيانه عنها.

كنت في المدرسة الإعدادية، أتذكر اتجاه الفصل ووضع السبورة ووقفتها أمامها، كانت ترتدي خمارًا غير محكم الربط، وبلوفر من الموهير الأزرق والأحمر تظهر أكمامه من تحت خمارها، الموهير من أغلى أنواع الأقمشة بالمناسبة، لا يتناسب إطلاقًا مع حجابها المهلهل ومظهرها الفقير عامة، كانت منغمسة تمامًا في الشرح فرفعت ذراعيها عاليًا ليطير الخمار ويظهر البلوفر كاملًا من تحته.

سكت الفصل تمامًا في تلك اللحظة، فالخمار كان يخفي تحته بلوفر متهرئًا تمامًا، فجوة كبيرة مكان الصدر الممزق، وقميص أبيض رخيص السعر، يطلّ من تحته، كان المشهد يشبه ماستر سين الأفلام الدرامية، المعلمة الوقور التي تداري فقرها المدقع لتربّي أولادها، ثم يكتشف الجميع ما تحاول إخفاءه حفظًا لماء وجهها.

لا أنسى هذا المشهد أبدًا، كما أنني لا أنسى أن أمي ظلت عامًا وأكثر تمتلك ثوبين فقط.

صحيح أنني لا أمتلك ذكريات كثيرة عن مدرّسي اللغة العربية، لكني أمتلك كنزًا من الحكايات لم أكن لأحكيها يومًا لولا اللغة العربية، فسلامًا على ثوبي أمي الوحيدين، وسلامًا على البلوفر الممزق، وسلامًا للغة العربية في يومها العالمي.

اقرأ ايضًا:

الأستاذ هاين وردة

رسائل الغياب

لماذا لم تعودي يا ميس شيرين؟ 

المدينة البعيدة

كساحر خفيف اليد

الوسوم
أظهر المزيد

حسام مصطفى إبراهيم

مؤسِّس مبادرة (اكتب صح) ورئيس تحرير الموقع

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق