المنطقة الحرة

المدرس العاشق

محمد رفيع

فارق كبير بين أن يدرس لك أستاذ لغة عربية مجيد في توصيل المعلومة، وآخر يعشقها، فيتسرّب هذا العشق ليعدي بعض الطلاب المؤهلين لذلك.

 عندما يحدث ذلك فإن طاقة نور تنفتح أمام عشق اللغة والإبحار فيها، لأن المدرس العاشق يكون مدججا بأمثلة من الشعر والنثر في كل المواقف، ويستطيع بسهولة الاستدلال ببيت شعر هنا وهناك ولغة رصينة فصيحة يقدم بها الحفلات أو حتى يتحدث بها طيلة الوقت.

 بالتأكيد كان لديّ مدرس فاضل في المرحلة الابتدائية والإعدادية شديد التأثير على عشقي للغة منذ صغري. اسمه “عرفة محمد سيد”، ظللتُ متعلّقا به طول دراستي، أزوره حتى لو لم يكن هو مدرسي في الفصل.

كان غزير المعرفة مُلمّا بقواعد اللغة، شديد التأثير على الطلاب، دمث الخلق، طريفا في مداعباته اللغوية، وهو أوّل من شدّ انتباهي إلى أحاجي اللغة والمواقف الطريفة، و جعلني في طفولتي أكتب الشعر وأدخل مسابقات الإلقاء المدرسي، وكان يختار لي قصائد من أزمان شتّى، فمن الشعر الجاهلي للشعر الإسلامي للشعر الكلاسيكي.

 أذكر مرة أنني اخترت قصيدة بلقيس لنزار قباني، فوافق على الفور، رغم أن المعتاد في ذلك الوقت اختيار القصائد الحماسية والدينية للشعراء الأوائل، لكني ألقيت جزءًا من قصيدة بلقيس التي كان يرثي فيها نزار زوجته، في مسابقة كل القصائد كانت فيها حماسية أو في مدح الرسول.

وكنت أحفظ عنه وأجمع طرائف اللغة مثل الأبيات الشعرية غريبة المعنى مثل “طرقت الباب حتى كلّ متني فلما كلّ متني كلّمني” والكثير من شاكلة هذه الألاعيب اللفظية والجمل التي تُقرأ اليمين لليسار والعكس، لتكون الجملة نفسها، مثل: “عقرب تحت برقع” و “سر فلا كبا بك الفرس” وكنّا نتبارى -نحن طلابه- في جمع هذه النوادر والأشعار، وأحاول تقليدها، وأقرض الشعر على غرار الشعر المدرسي، وهو أول من أعطاني فكرة عن العروض، حتى إني كنت أؤلف أبياتا لأستدل بها في مواضيع التعبير وكأنها قيلت على لسان شاعر راحل، لإثرائها بالأمثلة والأشعار والآيات القرآنية، حيث كانوا يعلمونا ان موضوع التعبير الذي يستدل فيه لتدعيم رأي الكاتب يكون موضوع تعبير كامل البيان، لذلك كنت أدسّ أبياتا من تأليفي على لسان شعراء معروفين، ولست أدري على كم من المصححين انطلت هذه الخدعة الطفولية.

كنت أيضًا أذاكر كتاب البلاغة لسنوات دراسية أكبر منى، وأحفظ منها أبياتا من الشعر، وفي المرحلة الثانوية لم أكن أفتح كتاب البلاغة مطلقا، وأعتبر أن من كان مثلي لا يحتاج لمنهج في البلاغة!

وفي المرحلة الثانوية، التقيت مدرسا مخضرما، اسمه مصطفى حسن، كنت أطلب منه أن يشرح لي أجزاء من المعلّقات، حيث اكتشفت أن الأبيات القليلة التي توجد في كتاب المدرسة، ما هي إلا جزء صغير من المعلقة ككل، فذهبت لأبحث عنها مكتملة، وأحفظ أبياتا منها، وما زلت أذكر بعضها، حيث كنت ألقيها على نفسي في طريق العودة من المدرسة، كمعلقة عنترة التي مطلعها:

هَل غَادَرَ الشُّعَرَاء مِن مُتَرَدَّمِ                  أَم هَل عَرَفتَ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّمِ؟

يَا دَارَ عَبلَةَ بِالجِواءِ تَكَلَّمي                 وَعِمي صَبَاحاً دَارَ عَبلَةَ وَاسلَمي

كانت أحب الحصص لي، حصة النصوص والتعبير، حيث كنت أنطلق في التعبير لأسوّد صفحات وأتبارى مع زملائي في عدد الأسطر التي ربما بلغت المئة أحيانا.

وأذكر أيضا أنني حين كنت في الرابعة من عمري، كنت أحفظ القصائد مع عمي وهو يذاكر دروسه وقد كان في السنة الثالثة الثانوية، وحين وقعت لي حادثة سيارة، ظنوا أني فقدت الذاكرة غير أني حين رأيت هذا العم، تلوت عليه ما كنّا قد حفظناه معا، وكانت قصيدة لسلمى خضراء الجويسي، فتهلل الأهل ساعتها لأن ذاكرتي لم تفقد.

 ويبدو أن هذه المواقف وغيرها، والتعلم على أيدي مدرّسين يعشقون اللغة، نقل لي هذا العشق منذ الصغر، وما زلت مدينا لهم بكل حرف تعلّمته على أيديهم. والشكر واجب لمن علّم الأطفال، لا لُينهي المنهج الدراسي، لكن ليبثّ فيهم روح التحدي والابتكار وعشق العلم واللغة، فهؤلاء حماة الوطن، ولا يختلفون عن جيشها المحارب هناك على الحدود.

محمد رفيع

اقرأ أيضًا:

الأستاذ هاني وردة

وصرخت ميس صافيناز

رسائل الغياب

لماذا 1لم تعودي يا ميس شيرين؟ 

المدينة البعيدة

كساحر خفيف اليد

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى