المنطقة الحرة

الغرف القديمة

عندما خرجنا إلى العالم من غُرفنا القديمة الدافئة ساقطة الطلاء، المليئة بصور ممثلات ومغني راب أجانب  وأبطال خياليين، وبدأنا ندرك حقيقة أنه لا يمكننا العودة إليها في أي وقت -كما السابق- لأننا ها كبرنا، وأصبحنا خطيرين كالآخرين، ويتحتم علينا مواجهة كل ما سيقابلنا، للانتظام في الدائرة الكونية الجبّارة وإضافة طوبة –لا قيمة لها غالبًا!- إلى جدار المعرفة الإنسانية.. ربما في هذه اللحظة بالذات بدأتْ مخالبنا النفسية -التي لا نجرح بها إلا أنفسنا!- في النمو.. ببطء، وحذر، كي تأمن مواجهتنا لها وهي ضعيفة، وتُكمل عملها في صمت، تحسبًا للحظة التي سنجد أنفسنا فيها في حضرة حقيقة أنه لا أمان/لا دفء/لا مودة/لا محبة على الأرض، لا في حضن حبيب، ولا جوار صديق، ولا في كأس أو سيجارة أو حبّة أو في دار رعاية المسنين تحت كنف ابن يتظاهر أنه بارٌ بنا.

وحدها الغرف القديمة تعرف السر، ومع ذلك تركتنا نهجرها ونُكمل المسيرة، نقّشرُ الشرنقة التي حمتنا داخلها ونُلقي بأنفسنا في الخضم، إرضاء لتوقنا الأبله للخروج منها وسعيا وراء وهم أننا نضجنا كفاية لمواجهة العالم!

في رحلتنا، ربما نكتشف أننا أوغاد أو حقراء أو خائنون أو تافهون، لكننا نرفض الاعتراف بهذا -ككل الحقائق في حياتنا- كي نظل قادرين على الزحف للأمام، والمشاركة في العرض الإنساني الهستيري العام: أننا نقاوم ونُنجز ونتحقق ونصل، فيما ندرك -في أعمق نقطة من قلوبنا- أننا مهرّجون ليس إلا، أننا لا شيء، مجرد صفر على يسار الكون، يستكمل بنا صورته البهية، على حساب الكثير من الألم الذي نتجرّعه، والغُربة التي تبني بيوتها في كل قطرة دم داخلنا على حدة، والفقد الذي يطعن به قلوبنا كلما لاح لنا طوق نجاة. ثم في النهاية فإن كل ما نفعل أو نحقق أو نصل إليه لا يعنيه –الكون- في شيء، ولن يغيّر قيد أنملة من خططه الكليّة المانعة الجامعة التي وُضعت قبل مجيئنا بملايين السنين!

إن الحياة، في صورتها الراهنة/القديمة مساحة موبوءة لتأكيد ذواتنا في مواجهة اللا شيء واللا معنى واللا جدوى. لقطة فلاش مثبّت على كاميرا عملاقة في مجرّة نافرة لا تعلم/لا تبالي بوجوده. رسالة متهرّئة في زجاجة يحملها بحر هائج للتحطم على جزيرة لا يقطنها بشر. ولعل نهايتها بعظامنا النخرة يأكلها الدود فوق بقايا ملايين مَن سبقونا إلى نفس الأرض، وربما البقعة عينها، هو الشيء الوحيد المنطقي اللائق ببدايتنا القسرية!

فيما يبقى الإنجاز، وترك أثر وعلامة، وخط سير يتنكّبه محبّونا وشهداء محنتنا وبلا بلا بلا بلا، أسطورَتنا المفضلة في ليالي الوحدة وشتاء المشاعر وجفاف الأوردة والطرد خارج الصفِّ، في لحظات الهزيمة واستراق النظر للغيب والانسحاق أمام اكتشافاتنا المتجددة لضآلة حجمنا ولا قيمتنا.

أنا خائف، ومذعور، وفاقد للرغبة، وغير قادر على أخذ خطوة واحدة إضافية للأمام، لكن لا يمكنني الجهر بهذا، لأنه يجرح جوهرة السلام الإنساني التي ندَّعي جميعا أننا نملكها، يطعن وهمنا وخيالاتنا في مقتل، ويؤذي أحبّاءنا الذين يبذلون قصارى جهدهم لردعنا عن الخوف، لذا ينبغي فقط أن أغيِّر قِناعي كّلما أحسستُ أن القديم لم يعد يعمل، وأقفز في مزيد من التحديات التي لا أستسيغها ولا أرى لها أي داعٍ، وأبتسم في وجه الجميع -حد الذبح!- لأنه هكذا يجب أن تجري الأمور، لأنه هكذا النّصُ مكتوبٌ والمسرحيةُ أُخرِجت.

إن تعاطي الكتابة والموسيقى والفن والأصدقاء والبكاء والحب: محاولة مضحكة للتغطية على كل الثقوب الفاغرة فاها في أعماقنا، محاولة للالتفاف على الوحدة التي تنزع أظفار بشريتنا بالكماشة، محاولة لتأكيد ذواتنا في مواجهة العدم الذي يقضم قطعة كبيرة من أرواحنا كلّما اقتربنا أكثر من الحافة وكشف الحقيقة، غير أن المحصلة النهائية واحدة في النهاية مهما اختلفت الطريق التي سلكناها لنصل: لا شيء!

أنا الرجل/المرأة/الطفل/الطفلة/الشاب/الشابة/الشيخ/العجوز الذي رأى كل ما استطاع رؤيته، وذاق كل ما استطاع تذوقه، وأحس كل ما وصل إلى أطرافه، أحب وكره وصدق وكذب وخان وأوفى وجرح وجُرح وصفا وتعكر وأكل وشرب وجرى ورقد وسبح وقاد ولعب وبكى وضحك.. ثم وقف على قمة هذا العالم يفرك عينيه ويحرك أذنيه ويدير رأسه في كل الاتجاهات المعروفة بحثا عن كنه أو حقيقة أو معنى أو بشارة أو أمارة أو قوس قزح، فانتهى به الأمر محدقا في مطفأته الارتجالية بينما ثلاثة أعقاب سجائر تحترق نافثة بقايا دخان صدره، متنافسة على الفناء، وفوقه  ضوء أصفر باهت لمصباح ينافسه وحدةً، في ليلة شتوية، وبقايا صوت راديو عتيق، بتشويش استاتيكي خفيف،  تغني فيه أم كلثوم كأنها تُحتضر.. “يا حبيبي ما بأيدينا خلقنا تعساء…”

   أنا الرجل/المرأة/الطفل/الطفلة/الشاب/الشابة/الشيخ/العجوز الذي لم ير كل ما تصور أنه يستحق رؤيته، ولم يذق كل ما تمنى تذوقه، ولم يحس كل ما تاق ليحسه، أحبه آخرون وكرهوه وصدَقوه وكذبوا عليه وخانوه وأوفوا له وجرحوه وصفوا له وتعكروا عليه، ثم وقف على قمة هذا العالم، يفرك عينيه ويحرك أذنيه ويدير رأسه في كل الاتجاهات المعروفة بحثا عن كنه أو حقيقة أو معنى أو بشارة أو أمارة أو قوس قزح، فانتهى به الأمر محدقا في إهداء قديم كتبته له واحدة من حبيباته، تقول له فيه “لن تستريح أبدًا، لأنك لا تعرف ماذا تريد، ولن تعرف إذًا أبدا!”

كلُّ الذين امتلكوا شَرْبة لا نظمأ بعدها أبدًا، حضنا لا نبرد بعده أبدًا، لقمة ساخنة لا نجوع بعدها أبدا، سقفا ظليلا لا نشقى بعده أبدا، ثم قرروا -كالله- أننا لا نستحق، فأوقفوا أجهزة التنفس الصناعي، ودفعوا بنا للخروج عن مداراتنا إلى العدم وانقطاع الهواء ورحمة الثقوب السوداء: رسموا خطًا أسود في اللوحة البيضاء التي كنّاها، حتى لم يعد الضوء ينفذ من خلالها، ولم يعد أحد يفهمها أو يجد لها فائدة!

لكنّ عزاءنا الوحيد أنهم مثلنا في النهاية: مكتوبٌ لهم الخيبة والخذلان على ظهر تذْكَرة المجيء إلى الأرض، فقط لم يكن الأمر بأيدينا، وإنما سوانا من سيتولاه.

في لحظات الشك الكبرى -كما لحظات اليقين- أقف على حواف الأشياء، أنظر عن كثب، ولا أدري هل أقفز فأنتهي إلى حقيقة/لا حقيقة ما كابدتُ، أم أسكن فأدير ظهري وأعود إلى القطيع، أفتح النور وأسلّطه في عيني وإن صمدتُ أمام الوهج أبصرتُ نقطة البدء، أم أنغرز في العُتمة وأصدح بالمسلَّمات، أتجرّع الكأس لآخرها طامعا أن تكون لي كحصانة راسبوتين ضد السم، أم اشرب عصير الكيوي باللبن من وسط البلد وأجلس على المقهى لألعب الدومينو الأمريكاني!

….

يشنقني المجازُ على باب كهفي البدائي الذي أدّخره مأمنا نهائيا للعودة إليه يومًا، ويتخلل الدفءُ الإنساني عظامي ليعصر إرادتي في الاختفاء، ويجرجرني قسرًا من شعري نحو صخب الصحبة والونس، “لأمقق” عيني من جديد في أطلس الإنسان وقاموس فجيعته في نفسه، في محاولة متكررة للانسحاق ثانية تحت جناح الدائرة الجهنمية التي لا تشبع، لمد أمد المكابدة.

لكني ذات يوم -يحسبونه بعيدا وأراه قريبا- سأكسر الدائرة للأبد وأُلقي بنفسي في الخضم الهادر للتاريخ السرّي للتحرّر من كل ما لا يُطيقون التحرر منه، فتزداد قامتي ويحتد بصري وتَطُوْل يداي بما فيه الكفاية لتمرّ كل المشاهد/الحكايات/الدموع عبري، فأمنع وأمنح وأرتّق وأخرِّب كيما أشاء، وأعيد ترتيب القطع وصوغ الكلمات وحياكة الأغاني وترتيب المشاهد، كما في غرفتي القديمة السرية كنت أفعل، دون أن يعرف أحدٌ أنني ما زلت ها هنا.

حسام مصطفى إبراهيم


اقرأ أيضًا:

التهمني اليوم أسد!

خشونة الدعوة إلى الله!

صديقي محمد رسول الله

 

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى