المنطقة الحرة

عشقتها..

عزة البرقي

عشقتها..

لا أدري متى ولد عشقي هذا، لكنني رأيته، شعرت به، يتسلل كنسمة صيف، كلمسة حريرية، تأخذ بيدي إلى مؤشر المذياع، وتديره باحثة عن صوت تداعبه “همسة حائرة”، أو حبيبة مشتاقة، في أمل ورجاء تسأل: “أغدا ألقاك”؟ أو عاشق يرسل عن حاله تقريرا لحبيب بعيد، فيقول: “أضنيتني بالهجر، ما أظلمك”!

أو كسيرة الروح، تدلي لقلب أمها باعتراف: “أنا ما زلت أهواه، وفي قلبي ذكراه وتهفو دائما، عيناي، يا أمي لمرآه، فمن أقصاه عن دربي، ومن يا ربي أغواه”؟

جذبتني دوّامات بحورها، وفي سنوات الشباب الأولى، وبداية المرحلة الثانوية، حيث العز والمجد اللغوي، ومبدعي الشعر والأدب الجاهلي، وحسام عنترة ورماح منه تنهل، فيود تقبيلها، حيث رأى في بريقها، ثغر عبلته.

امرؤ القيس، الباكي على أطلال وذكرى حبيب ومنزل.

زهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني وطرفة قتيل الهجاء، وغيرهم الكثير والجميل.

ويأتي عام دراسي جديد، حامل لوجداني الجمال الأندلسي، ببديع موشحاته.

بل ويحمل لقلبي الصغير –حينها- حكاية عشق، ذبنا في تفاصيلها وشاركنا أبطاله ابن زيدون وولادة بنت المستكفي، نبضات القلوب، مدّ الحب وجزره، القرب والفراق.

السعادة والوجع..

وتكتمل سنوات المرحلة الثانوية، بأطلال ناجي، ومحمود حسن إسماعيل ونهره الخالد.

بحافظ وشوقي، وعبد الصبور.

كان مدرس اللغة العربية، هو الأهم في حياتي الدراسية، والأحب..

ذهبت إلى أستاذي، أحمل في قلبي وذاكرتي ولساني، همسة عزيز أباظة الحائرة: “ونحسب الكون، عش اثنين يجمعنا، والماء صهباء والأنسام ألحانا”.

ما معنى “صهباء” يا أستاذي؟

كنت في الصف الأول، بمدرسة المنصورة الثانوية، أيام التهجير، ولم تبرح ذاكرتي، صورة وجهك أستاذي، وكم كنت مستاء من تلميذتك التي تتعجل سنواتها وتستمع من الأغنيات ما لا يناسبها.

سألتني لماذا أستمع لتلك الأغنية، لم أحفظ كلماتها وأبحث في معانيها؟

قلت لي: “يا ابنتي، الشعر من الشعور، وما اهتمامك بهذه الكلمات، إلا لما حركته بك من مشاعر، انصرفي لدراسة المنهج، واتركي ما لا يعنيك”!

فماذا لو كنت علمت وقتها، أستاذي الحبيب، أن تلميذتك تسبح كل مساء، مع الهادي آدم، حين يقبل الليل، بل ومع جورج جرداق، ومعجزته مرددة:

“الهوى أنت كله والأماني، فاملأ الكأس بالغرام وهات”!

خجلك وما تزيّنت به من حياء، منعك أستاذي، من أن تخبرني بأن الصهباء هي الخمر، لكنني اجتهدت وعرفتها، وفهمت القصيدة وحفظتها وعشقتها وأعشقها، ولم أنسك يوما.

كبرت وكبر حبها في قلبي وكل كياني.

هي لغة السحر، الحب، البلاغة، الإبداع، الإحساس.. ومن قبل ومن بعد، هي لغة القرآن، وما أعظمه من تشريف!

لغتي العربية، معشوقتي، حبيبتي، لساني…. أحبك.

اقرأ ايضًا:

الأستاذ هاني وردة

وصرخت ميس صافيناز

رسائل الغياب

لماذا لم تعودي يا ميس شيرين؟ 

المدينة البعيدة

كساحر خفيف اليد

Comments

التعليقات

أظهر المزيد

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى